لغز بناء الدولة هل يبدأ من الدستور أم من الإنسان؟الجزء الأول

بقلم/ مريغان المنفي
ليست الدولة بناءً من الحجر، ولا سلطةً تحتكر القوة، ولا دستورًا مكتوبًا بإتقان؛ إنها فكرة قبل أن تكون مؤسسة، وثقافة قبل أن تكون قانونًا، ووعيٌ جماعي قبل أن تكون جهازًا إداريًّا. ولهذا ظل بناء الدولة أحد أعقد ألغاز التاريخ السياسي؛ إذ استطاعت شعوب كثيرة أن تكتب دساتير متقدمة، لكنها عجزت عن تأسيس دولة مستقرة، بينما نجحت شعوب أخرى في بناء دول راسخة رغم أن دساتيرها جاءت لاحقة لمسار طويل من النضج الاجتماعي والسياسي. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تبدأ الدولة من الدستور، أم تبدأ من الإنسان؟
قد يبدو الجواب لأول وهلة أن الدستور هو نقطة الانطلاق، فهو الوثيقة التي تحدد شكل النظام السياسي، وتنظم السلطات، وتكفل الحقوق والحريات. غير أن هذا التصور يغفل حقيقة أعمق، وهي أن الدستور نفسه ليس إلا نتاجًا لوعي المجتمع. فالنصوص لا تخلق القيم، وإنما تعكسها، ولا تُنتج الثقافة، وإنما تتأسس عليها.
لقد أدرك ابن خلدون هذه الحقيقة عندما جعل العمران البشري سابقًا على الدولة. فالدولة عنده ليست حادثًا معزولًا، وإنما نتيجة لتفاعل العصبية، والمصالح، والعادات، وأنماط العيش. فالسلطة لا تولد من الفراغ، وإنما تنبت في تربة اجتماعية معينة. وإذا فسدت تلك التربة، لم تستطع الدولة أن تصمد مهما بلغت قوة سلطانها. ولذلك فإن سقوط الدول، في نظره، يبدأ من داخل المجتمع قبل أن يظهر في مؤسسات الحكم.
وبعد قرون، كان المفكر الإنجليزي جون لوك ينطلق من زاوية مختلفة، لكنه يصل إلى نتيجة قريبة. فالدولة لا تستمد مشروعيتها من القوة، وإنما من رضا المحكومين. فالسلطة ليست مالكة للمجتمع، بل وكيلة عنه، ومؤتمنة على حقوق أفراده، والدستور ليس منحة من الحاكم، بل تعبير عن عقد أخلاقي وسياسي بين أفراد أحرار. لكن هذا العقد يفترض وجود إنسان يدرك معنى الحرية والمسؤولية، وإلا تحول الدستور إلى وثيقة لا تملك سوى قيمتها الورقية.
أما الألماني ماكس فيبر، فقد نقل النقاش إلى مستوى آخر، حين عرَّف الدولة بأنها الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة داخل إقليم معين. غير أن كثيرين يقرأون هذا التعريف قراءة مبتورة، فيتصورون أن امتلاك القوة يكفي لقيام الدولة، بينما يؤكد فيبر أن جوهر التعريف يكمن في كلمة “المشروع”. فالقوة لا تصبح أساسًا للدولة إلا عندما يعترف المجتمع بشرعيتها. ومن دون هذا الاعتراف، تتحول السلطة إلى مجرد إكراه، وتصبح الدولة جهازًا يفرض الطاعة، لا مؤسسة تُنتج الولاء، ومن هنا يتكشف اللغز الحقيقي. فالمؤسسات لا تخلق الإنسان بقدر ما يخلق الإنسان المؤسسات. وإذا كان المجتمع لا يؤمن بسيادة القانون، فإن القضاء يفقد هيبته، وإذا لم تترسخ قيمة المواطنة، أصبح الدستور مجرد إعلان نوايا، وإذا غابت الثقة بين الفرد والدولة، تحولت السياسة إلى صراع على السلطة بدل أن تكون إدارة للمصلحة العامة.
إن الخطأ الذي وقعت فيه تجارب كثيرة هو أنها تعاملت مع بناء الدولة باعتباره مشروعًا هندسيًّا؛ يكفي فيه رسم دستور، وإنشاء برلمان، وتشكيل حكومة. لكنها أغفلت أن الدولة ليست آلة ميكانيكية، وإنما كائن اجتماعي وثقافي ينمو تدريجيًّا. فالدستور ينظم السلطة، لكنه لا يصنع الضمير، والقانون يعاقب المخالف، لكنه لا يخلق الفضيلة، والمؤسسات تدير المجتمع، لكنها لا تنتج الوعي الذي يمنحها الشرعية.
ولهذا فإن بناء الإنسان ليس مشروعًا تربويًّا منفصلًا عن بناء الدولة، بل هو جوهر العملية السياسية نفسها. فالمدرسة، والجامعة، والأسرة، والإعلام، والثقافة، ليست مؤسسات هامشية، وإنما هي المصانع الحقيقية للدولة. ففيها يتشكل المواطن الذي سيكتب الدستور، ويطبق القانون، ويحمي المؤسسات، ويمنح الشرعية للنظام السياسي.
ولعل هذا ما يفسر تعثر كثير من الدول الخارجة من الصراعات. فهي تركز على إعادة توزيع السلطة أكثر من تركيزها على إعادة بناء الإنسان. فتنجز الاتفاقات السياسية، وتُنشأ المؤسسات، وتُكتب الدساتير، بينما تبقى الثقافة السياسية أسيرة الانقسام، وتبقى الهوية الوطنية أضعف من الهويات الفرعية، فتعود الأزمة بأشكال جديدة.
وفي الحالة الليبية، لا يبدو السؤال الحقيقي هو: أي دستور نريد؟ بل: أي مواطن نريد؟ لأن الدستور الذي يكتبه مجتمع منقسم سيحمل آثار انقسامه، أما الدستور الذي يكتبه مجتمع ناضج فسيصبح إطارًا جامعًا لمصالحه المشتركة. إن أزمة الدولة ليست أزمة نصوص، بل أزمة وعي، وليست أزمة مؤسسات فحسب، بل أزمة ثقافة سياسية تنتج تلك المؤسسات وتحافظ عليها.
وهكذا فإن لغز بناء الدولة لا يُحل بالبحث عن أفضل الدساتير وحدها، ولا بأقوى الحكومات وحدها، وإنما بالعودة إلى نقطة البداية.. الإنسان.. فالإنسان الواعي يصنع ثقافة سياسية، والثقافة السياسية تُنتج مؤسسات، والمؤسسات الراسخة تحمي الدولة، والدولة المستقرة تعيد إنتاج الإنسان الحر والمسؤول في دورة تاريخية متصلة.
ولذلك، فإن السؤال ليس: هل يبدأ بناء الدولة من الدستور أم من الإنسان؟ بل: كيف يمكن للإنسان أن يبلغ من الوعي ما يجعله قادرًا على إنتاج دستورٍ يليق بدولة، لا مجرد وثيقة تُضاف إلى أرشيف التاريخ؟
إن الدول تُكتب بالدساتير، لكنها لا تُبنى إلا بالعقول، ولا تستقر إلا عندما تتحول القيم إلى ثقافة، والثقافة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى ممارسة يومية يعيشها المواطن قبل أن يقرأها في نصوص القانون.
