مقالات الرأي

عندما يصبح الخيار “العمش ولا العمى”!



بقلم/ د_ مصطفى الزائدي

لم يعد المشهد الليبي يقتصر على صراع النفوذ والنهب بين المجموعات المسلحة والحكومات والمؤسسات المتنافسة التي فُرضت نتيجة التدخل العسكري بعد النكبة، بل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث أصبحت الأزمات المعيشية المتفاقمة، المتمثلة في عدم توفر السيولة بالمصارف ولدى الناس، وندرة الوقود وانقطاع الكهرباء وانهيار خدمات الصحة والارتفاع المطرد للأسعار وتفشي الفساد على كل المستويات، جزءًا من معادلة الصراع!

حالة التذمر الشعبي التي وصلت مدياتها القصوى، ولم يعد بالسهولة احتواؤها من خلال الوعود الزائفة والدعايات المفضوحة والتهديد والوعيد، ولا بالقمع المفرط، ولا حتى بالوسائل التي تستخدمها قوى الظلام للترويج للأمر الواقع، التي تدعي زورًا أن فبراير جاءت للقضاء على حقبة من الطغيان والتخلف والجهل، بالرغم من أن الواقع يدحضها، لأن الليبيين الذين عاشوا حقبة التنمية والتعلم والتطور والعزة والكرامة هم نفسهم الليبيون الذين يعانون الإظلام التام والغلاء الفاحش والتوتر الدائم والرعب المستدام اليوم!

ولبعض التذكير، في عام 1969 كان يوجد بكل ليبيا ثماني مدارس ثانوية، هي حصرًا: ثانويات غريان والزاوية وطرابلس والخمس ومصراتة وسبها وبنغازي ودرنة، وعلى عكس ادعاءات علي زيدان فإن نسبة الأمية كانت تفوق 80%، والبنات لا يسمح لهن بالذهاب إلى المدارس لأسباب اجتماعية، فكان أهم إجراءات ثورة الفاتح توسيع التعليم وإجبارية المرحلة الأساسية منه للذكور والإناث، فبُنيت آلاف المدارس وطُورت المناهج واعتمد برنامج الترحيل في التعليم الابتدائي، وتم التوسع في بناء المعاهد المتخصصة في الهندسة والنفط والكهرباء والمالية والصحة والزراعة والتجارة والإلكترونات والصناعة والمعاهد التقنية العليا ومعاهد المعلمين إلى آخر التخصصات الفنية، وشرع في بناء جامعتي قاريونس وطرابلس، وانتشرت الكليات والجامعات في كل ليبيا، والأهم من كل ذلك فإن خريجي التعليم في ليبيا نجحوا في المنافسة على المستوى العالمي، خاصة في بلدان الغرب، حيث يعمل عشرات آلاف الأطباء والمهندسين والاقتصاديين!

وهكذا الحال في كل القطاعات، لقد استقر الاقتصاد الليبي وتطور ليكون أقوى اقتصاد في القارة الأفريقية، وكان مبنيًّا على قاعدة صناعية وزراعية متينة، إضافة إلى تحويل النفط إلى منظومة وطنية بالكامل، واستُغلت عائداته لبناء ليبيا التي كانت من أفقر عشر دول أفريقية وأكثرها تخلفًا.

للأسف نجح أعداء ليبيا في تدمير تلك الإنجازات، وحاولوا تتفيه ما حققه الليبيون من مكاسب، وأعادوا الدولة إلى حقبة الخمسينيات، من خلال بناء حالة فريدة من الفوضى والفساد والعبث الأجنبي، فوصلنا إلى ما نحن فيه! حيث أُصيب أغلب الليبيين باليأس، واقتنعوا أن لا ضوء في آخر النفق، وأُجبروا على القبول بالحد الأدنى للحياة، شعارهم “العمش ولا العمى”!

هذه الحالة المزرية تفرض على القوى الوطنية قراءة جديدة للواقع، لأن الخطر لم يعد يكمن في استمرار الأزمة فقط، بل في استثمار معاناة المواطنين لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية وتوسيع نفوذ الميليشيات المرتبطة بالعدو الخارجي، وإحكام سطوتها على المؤسسات السيادية.

إن إعادة بناء الدولة يبدأ بحماية إرادة المواطنين من التوظيف، وصون حقهم في التعبير عن مطالبهم بعيدًا عن أي وصاية أو استغلال. فأي حراك شعبي يفقد استقلاله يفقد تدريجيًّا قدرته على تحقيق أهدافه، وكل غضب يُستثمر لصالح مراكز النفوذ ينتهي غالبًا إلى تسويات في غير صالح الوطن، بينما يبقى المواطن يواجه الأزمات نفسها التي خرج من أجلها.

إن العمل ينبغي أن ينصب في المرحلة القادمة على تنظيم القيادة الوطنية التي تدير الحراك الشعبي، ووضع خطط مدروسة وحقيقية لإطلاق مشروع شعبي يتصاعد كميًّا ومكانيًّا.

زر الذهاب إلى الأعلى