ليبيا بين عتمة الكهرباء وفوضى السياسة

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري
المتابع للشأن الليبي يلحظ حجم الفوضى التي تغرق فيها البلاد، كما تغرق الجغرافيا الليبية هذه الأيام في ظلامٍ دامس نتيجة انقطاع التيار الكهربائي عن أغلب المدن، التي تتقاسمها الصراعات وتنهكها التنظيمات المسلحة، خصوصًا في المدن الساحلية غرب مدينة الخمس، وعلى رأسها العاصمة طرابلس التي بها يتشكل حراك جماهيري رافض للسلطة السياسية، التي تتعرض بدورها لمحاولات متكررة لإسقاطها، فتستعين بين الحين والآخر بقوى مسلحة لإبعاد الخطر، وتناور سياسيًّا وماليًّا واجتماعيًّا، متظاهرة بعدم مسؤوليتها عن حالة الاختناق التي يعانيها الشعب الليبي في مختلف مناحي الحياة القاسية. ويأتي في مقدمة هذه المعاناة الغلاء الفاحش في أسعار المواد الأساسية، وعلى رأسها الغذاء والدواء، إضافة إلى أزمة السيولة وانهيار الخدمات الأساسية. وتتفاقم الكارثة مع انهيار الشبكة الكهربائية، التي تؤثر بشكل مباشر وخطير على المرضى في منازلهم، خاصة المصابين بالأورام والجلطات القلبية، في ظل توقف عدد من المستشفيات، لا سيما في العاصمة طرابلس، عن استقبال المرضى للإيواء. وفي مواجهة هذا الواقع، يلجأ الليبيون، خاصة في المدن الغربية الشمالية، إلى البحر هربًا من الحر وانقطاع الكهرباء، فيما يقصد القادرون ماديًّا المنتجعات البحرية التي توفر قدرًا من الرفاهية. أما أهلنا في الجنوب فتطحنهم الحالة المأسوية القاسية لأمن يعيرهم إلا من جهد ورعاية ودعم تقدمه القوات المسلحة العربية الليبية بالإضافة إلى مهامها الأمنية والدفاعية ما يضيف لها جهدًا إضافيًّا، أما المرضى الذين يعجزون عن تلقي العلاج في المستشفيات العامة، فيجدون أنفسهم مضطرين للسفر إلى تونس، في رحلة علاج مكلفة تستنزف مدخرات الأسرة الليبية، في ظل غياب دولة تتحمل مسؤولية رفع الضرر عن مواطنيها.
وتتداخل هذه الأزمات المركبة مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأدوية والأعلاف والخضراوات، التي يثار حولها أيضًا القلق من استخدام المبيدات، لتزيد من أعباء المواطن. في المقابل، تشهد المقاهي والمطاعم، التي تديرها في الغالب عمالة وافدة، ارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار، لتنافس نظيراتها في أغلى دول العالم، حتى بات فنجان القهوة في بعض المدن الليبية لا يقل سعره عن نظيره في العواصم الأوروبية، بل يتجاوزه أحيانًا. أما الدواء، فقد أصبح الحصول عليه تحديًا حقيقيًّا لكثير من المرضى، رغم ضرورته القصوى، ما يعمق من معاناتهم اليومية. وهكذا يعيش الشعب الليبي، ومعه الدولة، حالة مركبة من العبث السياسي والفوضى المستمرة، في ظل فتور واضح في أداء بعثة الأمم المتحدة وغيرها التي تبدو مبادراتها محدودة، وكأنها في عطلة صيفية، أو منشغلة بملفات إقليمية أخرى، بينما تتفاقم الأزمة الليبية دون أفق واضح للحل ويتكرر المشهد الليبي طيلة مدة الكارثة المتتالية على الشعب وعلى الوطن.
