مقالات الرأي

ليبيا.. الثقب الأسود



بقلم/ أبو صاع زامونة

بينما يتصارع الليبيون على السلطة لنهب المال العام منذ خمسة عشر عامًا، باستثناء الفئة المسحوقة تحت سنابك الفاسدين الذين تغولوا واستشرسوا من أثر الزقوم وهم يرددون عبارة جهنم (هل من مزيد)، وجهنم بالنسبة إليهم هي الأم الحنون التي ستؤويهم وتحتويهم احتواء الخالدين في كنفها والمتنعمين بسعيرها، وفي ظل هذا الاحتراب والتناحر والتنافس المحموم للظفر بأعلى وسام للإخلاص في العمالة هناك كارثة وطامة كبرى، بل هي أم الكوارث واللعنات التي حلت بهذا الوطن، والتي من المفترض أن ترفع حالة الطوارئ من الدرجة القصوى بسببها ويتم وضعها على رأس الأولويات في كافة الاجتماعات والمحافل المحلية والإقليمية والدولية وفي كل وسيلة إعلامية ولو كانت صفحة على الفيسبوك بدل التحدث عن الانتخابات وجدلية الرئاسية أم البرلمانية والمادة الثالثة عشر من التعديل الدستوري وإشباعها حد التخمة تمحيصًا وتخبيصًا وغيرها من المعجنات التي يتناولونها في اجتماعاتهم وحواراتهم ومبادراتهم المغلفة بالبرغماتية الميكافيلية المقيتة، ودائمًا ما يكون الثمن هو الوطن الذي ما فتئ أبناؤه البارون من المكابدة بإرادة صلبة لإعادة بوصلته ولو نسبيًّا في مواجهة العصابات المافيوزية التي أهلكت الحرث والنسل وأتت على كل قائم.

والموضوع الذي نود إثارته في هذا البراح هو موضوع [النفايات النووية والكيماوية] التي أصبحت ليبيا -وبفضل أبنائها البررة- مكبًّا يتنافس فيه وعليه ولأجله المتنافسون ليدفنوا فيه ملايين الأطنان من قذاراتهم ونفاياتهم التي تسلب الأرواح وتضرب الأعناق في صمت مطبق، جنود لن تروها تجهض النساء وتسبب عقمًا للرجال وتقطع الحرث والنسل بكل ما للكلمة من معنى، لأن الأرض لن تهبكم ما خلا السام (أي الموت) وهذا ما ترونه أمامكم متمثلًا في كل ما تنتجه الأرض من خضراوات وفواكه وحبوب مسرطنة، بالإضافة إلى المياة الجوفية منها والسطحية التي تشربونها وتغتسلون بها وتسقون بها بهائمكم ومزارعكم، وكما نعلم أن المياه تدخل في كافة الصناعات الغذائية وغير الغذائية، وهي تحتوي على نسبة عالية جدًّا من الإشعاعات النووية التي كانت ولا تزال السبب الرئيس في تفشي الأمراض والأوبئة، ولا سيما الأورام السرطانية عافانا الله وإياكم، والتي تشكل نسبة عالية جدًّا وغير مسبوقة في بلادنا مقارنة بعدد السكان البسيط.

وهذا الأمر أثار حفيظة الدول التي تستقبل كل يوم أعدادًا مهولة من المرضى الليبيين، وقد قامت هذه الدول بمخاطبة منظمة الصحة العالمية، بيد أنها لم تضطلع بدورها المناط على عاتقها، لأنها تدار من نفس الجوقة التي تعتبرنا عبئًا على هذا الكوكب، وتصدر لنا الفناء بدل التنمية والبناء، فقد تحولت صحارينا الطاهرة النقية وبحارنا إلى ثقب أسود لنفايات الغرب التي ضاقت بها الأرض لأنهم يعلمون جيدًا مدى خطورة هذه النفايات على البشر والشجر والحجر، وكيفية التخلص منها كانت تؤرق تلكم الدول مع الطفرة التي حصلت بعيد الحرب العالمية الثانية أبان الحرب الباردة والتطور الذي صاحبها في إنتاج الطاقة النووية السلمية وغير السلمية، فقد أصبح العالم اليوم يمتلك 439 مفاعلًا نوويًّا تذهب فضلاتها ونفاياتها المشعة المميتة مباشرة إلى الآبار السوداء في القارة الأفريقية وعلى رأسها ليبيا.

فلم يكفهم ما فعله حلف الناتو في ليبيا عام 2011 م عندما أمطرها ب7700 قنبلة وصاروخ تحتوي على مواد مشعة تحصد الأرواح كل يوم من خلال الأمراض التي تفشت، أما عن مسؤولي الصدفة فلم ولن يتورعوا عن بيعكم بأبخس الأثمان، فقد باعوا حياتكم وحياة أولادكم وأحفادكم للمافيات الإيطالية التي تدير نفايات العالم، حيث بلغ سعر الدفن في أرضنا من هذه النفايات 25 دولارًا فقط للطن الواحد، والمقابل هو الموت المحقق الذي لا يعترف بأدوات الاستثناء وخراب الديار الذي لا جدوى فيه من البكاء، فالموت يتسلل رويدًا في الماء والهواء والغذاء.

الأمر جلل والصمت عنه جريمة في حق الإنسانية، فالسواد الأعظم من الشعب ليست له دراية بما يحدث في الخفاء من جرائم بفعل هؤلاء اللقطاء، والآلام والآهات والعذابات لن يتجرع مرارتها سوى البسطاء، وهذا ناقوس خطر ندقه، عل وعسى أن يكون ترياقًا تتعافى على إثره كل الآذان الصماء، وتستفيق الجموع من غفلتها وتنزع عنها ثوب الخنوع، فقد بلغنا الدهيماء والشر يدفع بمثله إذا أعياك غيره، فقد بلغت القلوب الحناجر، وغدت الأيام بأساء وضراء.

زر الذهاب إلى الأعلى