حين تُغلق المضائق.. هل تفتح ليبيا بوابة الإنقاذ الاقتصادي؟

بقلم/ يوسف امحمد الشريف
لم يعد مضيقا هرمز وباب المندب مجرد ممرين بحريين للتجارة الدولية، بل تحولا إلى نقطتين حساستين في معادلة الأمن العالمي والطاقة والاقتصاد. فأي اضطراب أو إغلاق جزئي أو كامل لهذين المضيقين ينعكس مباشرة على أسواق النفط، ويرفع الأسعار، ويزيد من قلق الدول المستوردة للطاقة، خاصة أوروبا التي تبحث باستمرار عن مصادر آمنة ومستقرة بعيدة عن مناطق الصراع.
وفي مثل هذه الظروف، تمتلك ليبيا فرصة استراتيجية نادرة قد لا تتكرر كثيرًا. فهي تملك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في أفريقيا، كما يتميز النفط الليبي بجودته العالية وقربه الجغرافي من الأسواق الأوروبية، ما يمنحه ميزة تنافسية في أوقات الأزمات. كما أن الموانئ الليبية على البحر المتوسط تمنح البلاد قدرة على تصدير النفط دون المرور بمضيق هرمز، وهو ما يجعل ليبيا شريكًا مهمًّا للدول الباحثة عن أمن الطاقة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تستطيع ليبيا تحويل هذه الفرصة إلى مكاسب حقيقية؟ إن الإجابة لا تتعلق بالإنتاج النفطي فقط، بل بالإدارة الاقتصادية والسياسية للدولة. فارتفاع أسعار النفط قد يوفر إيرادات ضخمة قادرة على إحداث تحول اقتصادي إذا أُحسن استثمارها في مشاريع تنموية وإصلاحات حقيقية.
يعاني المواطن الليبي اليوم من أزمات متراكمة، أبرزها نقص الوقود رغم أن البلاد من كبار المنتجين، وأزمة السيولة النقدية، وارتفاع تكاليف المعيشة، والانقطاعات المتكررة للكهرباء، إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب. وهي مفارقة تثير تساؤلات حول كيفية إدارة الثروة الوطنية، إذ لا يمكن لدولة غنية بالموارد الطبيعية أن يستمر شعبها في مواجهة هذه الأزمات دون حلول جذرية.
إن المرحلة الحالية تستدعي رؤية وطنية تتجاوز الصراعات السياسية والخلافات على السلطة، فالمنافسة على النفوذ لن تبني اقتصادًا ولن توفر فرص عمل، بينما الاستثمار في عائدات النفط يمكن أن يغير مستقبل البلاد. المطلوب هو توجيه جزء من الإيرادات إلى تطوير قطاع الكهرباء، وصيانة المصافي، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وإنشاء صناديق لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يقودها الشباب.
كما ينبغي أن تستثمر ليبيا في زيادة طاقتها الإنتاجية وتطوير بنيتها التحتية النفطية، حتى تصبح موردًا أكثر موثوقية للأسواق الأوروبية وربما لأسواق أخرى في أمريكا الجنوبية التي تسعى أيضًا إلى تنويع مصادر الطاقة.
إن الأزمات الدولية كثيرًا ما تصنع فرصًا للدول المستعدة، وليبيا تمتلك المقومات الجغرافية والاقتصادية التي تؤهلها للاستفادة من التحولات الحالية في سوق الطاقة. لكن النجاح لن يتحقق بمجرد ارتفاع أسعار النفط، بل بوجود إرادة سياسية تضع مصلحة المواطن فوق الحسابات الضيقة، وتجعل الثروة الوطنية وسيلة للتنمية والاستقرار لا سببًا لاستمرار الانقسام.
قد تكون أزمة المضائق البحرية اختبارًا جديدًا للعالم، لكنها بالنسبة إلى ليبيا يمكن أن تكون بداية مرحلة اقتصادية مختلفة، إذا أدرك صناع القرار أن مستقبل الأوطان لا يُقاس بحجم الصراعات، بل بقدرتها على تحويل الموارد إلى حياة كريمة للمواطن، وبناء دولة مستقرة قادرة على حماية ثرواتها وتحقيق التنمية المستدامة.
