الوساطة الجنائية: طريق نحو عدالة أسرع وأكثر مرونة

بقلم/ محمد المجبري
شهدت المنظومة القانونية في السنوات الأخيرة تحولًا فكريًّا بارزًا، فلم يعد الهدف الأسمى للعدالة الجنائية توقيع العقاب على الجاني فقط، بل امتد ليركز على جبر الضرر الذي لحق بالضحية وإعادة الاستقرار للعلاقات المجتمعية، ومن رحم هذه الفلسفة الحديثة برز مفهوم (الوساطة الجنائية) كواحد من أهم البدائل القانونية المبتكرة للتخفيف عن كاهل المحاكم وتحقيق العدالة الناجزة.
الوساطة الجنائية إحدى أهم الوسائل الرضائية المتبعة لتسوية النزاعات الجنائية بالطرق السلمية، الأمر الذي جعلها تسهم بشكل مباشر في علاج أزمة العدالة الجنائية التقليدية، في ظل التطور العلمي والتكنولوجي في العصر الحديث، وما صاحبه من تطور في علاقات الأفراد، واتساع نطاق التعامل فيما بينهم، فقد ظهرت نماذج جديدة من الجرائم اليومية والمعتادة، والتي تتسم ببساطتها وقلة خطورتها، تشغل أجهزة الشرطة والنيابة والقضاء، وتعرقل المؤسسات العقابية عن تنفيذ برامج التأهيل والصلاح للمحكوم عليهم.
الوساطة الجنائية تعرف بأنها وسيلة لحل المنازعات ذات الطبيعة الجنائية، والتي تؤسس على فكرة التفاوض بين الجاني والمجني عليه على الآثار المترتبة على وقوع الجريمة، عن طريق تدخل النيابة العامة، أو من يفوضه في ذلك، سواء أكان شخصًا طبيعيا أم شخصًا معنويًّا، ويترتب على نجاحها تعويض الضرر الواقع على المجني عليه، وإصلاح الآثار المترتبة على الجريمة، وإعادة تأهيل الجاني بالشكل الذي لا يكون فيه حاجة للاستمرار في الدعوى الجنائية.
وعرفها أيضا بعض الفقهاء أنها: “وسيلة من وسائل فض النزاع والمنازعات الجنائية بغير الطرق التقليدية، بغية ادخار الوقت والجهد والنفقات، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية الوطيدة بين أفرا د المجتمع، عن طريق تدخل شخص ثالث بين الأطراف.
ولقد أصبحت الوساطة الجنائية في الوقت الحاضر أحد المصطلحات المألوفة وواسعة الانتشار في القانون الجنائي المقارن، وذلك باعتبارها وسيلة لضمان تعويض المجني عليه وتفعيل مشاركة الأفراد في نظام العدالة الجنائية، بالإضافة إلى اعتبارها وسيلة اجتماعية منافسة لعلاج الآثار المترتبة على الجرائم البسيطة التي يصعب على المحاكم التعامل معها، فضلًا عن أن الوساطة يمكن أن تؤدي إلى توسيع النطاق القضائي لسلطة الدولة عن طريق إدخال صور العدالة الرضائية وقضاء الأفراد ضمن الأجهزة القضائية التي تباشر الدعوى الجنائية.
لماذا نحتاجها اليوم؟ نشير إلى الدور الاجتماعي الخطير الذي تلعبه الوساطة الجنائية، فقد أضفت على القانون طابعًا إنسانيًّا، فهي تهدف في المقام الأول إلى تحقيق الأمن الاجتماعي ومساعدة طرفي الخصومة في الوصول إلى تسوية ودية، وأيضًا تخفيف العبء عن كاهل القضاء، سرعة رد الحقوق بدلًا من انتظار سنوات للحصول على حكم قضائي، أو ربما مواجهة صعوبة في التنفيذ، ولاسيما الهدف الأهم، وهو إعادة تأهيل الجاني، إذ تمنح الوساطة فرصة للجاني في تدارك خطئه ودفع التعويض دون أن تسجل له سابقة جنائية أو أن يدخل السجن.
لكن كما أشار بعض الفقهاء أن اللجوء إلى نظام الوساطة الجنائية لا يتم إلا من خلال تدخل السلطة القضائية، فالطابع الاجتماعي للوساطة الجنائية لا يلغى دور إشراف السلطة القضائية الذي يظل قائمًا، فيبقى هذ ا الإجراء محكومًا في ظل نظام قانوني جنائي، ومن ثم فهي إحدى وسائل هذا القانون في إنهاء النزاعات الناجمة عن مخالفته.
ختامًا.. الوساطة الجنائية تعيد تعريف العدالة لتجعلها أكثر إنسانية ومرونة، وتسهم في الحفاظ على الروابط الاجتماعية، وتحقق العدالة الناجزة.
