مقالات الرأي

دولة التنمية ودولة المليشيات !!

بقلم/ سيد العبيدي:

خمسة عشر عامًا مرت على الانقسام السياسي في ليبيا، وهي سنوات أثقلت كاهل الدولة واستنزفت مؤسساتها وأرهقت المواطن الذي لا يزال يدفع الثمن. خمسة عشر عامًا كان من المفترض أن تكون كافية لاستخلاص الدروس، وأن يدرك الجميع أن استمرار الانقسام لا ينتج سوى المزيد من الأزمات.

شهدت ليبيا خلال هذه السنوات تعاقب حكومات ومبادرات سياسية ورعاية أممية ودولية لا حصر لها، إلا أن معظمها تعثر أمام واقع فرضته المصالح الضيقة، وغياب الإرادة الوطنية، وهيمنة الجماعات المسلحة على القرار في بعض المناطق. وبينما انشغل البعض بتقاسم السلطة والثروة، ظل المواطن يبحث عن الأمن والكهرباء والخدمات وفرصة حياة كريمة.

في المقابل، برز في شرق ليبيا نموذج مختلف يقوم على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحريك عجلة التنمية، حيث انطلقت مشروعات واسعة لإعادة إعمار المدن المتضررة، شملت تطوير شبكات الطرق والكباري والموانئ والمطارات، وإنشاء المستشفيات والمدارس والمرافق الخدمية، بما أعاد الأمل إلى آلاف المواطنين وأكد أن التنمية الحقيقية تبدأ عندما تتوافر الإرادة السياسية والإدارة الفاعلة.

لم يكن هذا المسار منفصلًا عن الملف الأمني، إذ تزامنت جهود الإعمار مع بناء قوات مسلحة ليبية أكثر تنظيمًا بقيادة المشير خليفة حفتر، نجحت في استعادة الأمن في مناطق واسعة بعد سنوات من المواجهات مع التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة. فالتنمية لا تزدهر في بيئة يسودها السلاح المنفلت، كما أن الاستثمار وإعادة الإعمار لا يمكن أن يتحققا في ظل الفوضى، وهو ما جعل الأمن وإعادة البناء يسيران جنبًا إلى جنب في تلك المناطق.

في المقابل، لا تزال مناطق أخرى غرب البلاد تعاني من سطوة المليشيات التي أصبحت عائقًا أمام استكمال بناء الدولة. فلا يمكن الحديث عن انتخابات مستقرة أو اقتصاد مزدهر أو مؤسسات فاعلة في ظل انتشار السلاح خارج إطار الدولة، ولا يمكن للمواطن أن يشعر بالأمان بينما تبقى جماعات مسلحة تفرض نفوذها بقوة الأمر الواقع.

إن المفاضلة اليوم ليست بين شرق وغرب ليبيا، ولا بين حكومة وأخرى، وإنما بين مشروعين واضحين: مشروع الدولة الذي يقوم على المؤسسات والقانون والتنمية، ومشروع الفوضى الذي يقوم على المليشيات والانقسام وتعطيل مؤسسات الدولة. والتاريخ أثبت أن الدول لا تبنى بالمليشيات، وإنما تبنى بمؤسسات عسكرية وأمنية محترفة، وقضاء مستقل، وإدارة قادرة على خدمة المواطنين.

ليبيا تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون واحدة من أكثر الدول ازدهارًا في المنطقة؛ ثروات طبيعية هائلة، وموقعًا استراتيجيًا، وشعبًا يتطلع إلى الاستقرار. لكن هذه المقومات ستظل معطلة ما لم تتوحد المؤسسات، ويحتكر السلاح بيد الدولة، وتقدم المصلحة العامة على المصالح الشخصية والفئوية.

لقد آن الأوان لأن ينتصر مشروع الدولة على مشروع الفوضى، وأن تكون التنمية والإعمار والأمن ركائز المرحلة المقبلة، لأن الأوطان لا تحكم بالمليشيات، وإنما تبنى بالمؤسسات القوية وسيادة القانون، ليبقى المواطن الليبي هو المستفيد الأول من دولة مستقرة وآمنة وقادرة على صناعة مستقبلها.

زر الذهاب إلى الأعلى