مقالات الرأي

من يحكم.. البدلة أم الشبشب؟


بقلم / عفاف الفرجاني


حين تُستقبل القوة الخارجة عن القانون في مكاتب القانون وبهذه القيافة يصبح القانون ضيفًا لا صاحب قرار. هذه هي خلاصة ما كتبته على حائط حسابي الشخصي على الفيسبوك، وهو توصيف دقيق لمشهد وزير الداخلية في حكومة عبد الحميد الدبيبة وهو يستقبل، في مقر رسمي، أحد قادة ميليشيات ورشفانة المدعو معمر الضاوي، العائد من رحلة علاجية بثوب تقليدي طويل وشبشب بينما خلفه علم الدولة.
الصورة ليست زلة بروتوكول، بل هي اختزال حقيقي لمشروع الدولة الفاشل. عندما يتقدم حامل السلاح على حامل الصفة تتحول الدولة من مشروع وطن إلى مسرح نفوذ، وتتحول وزارة الداخلية من سلطة ضبط وردع إلى مكتب علاقات عامة للميليشيات.
الكارثة الأخطر ليست في اللقاء، بل في الفلسفة التي شرعنتها حكومات فبراير المتتالية. فبدلا من تنفيذ مسار نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج الفردي ارتكبت الحكومات خطيئة قاتلة وهي دمج الميليشيات ككتل وكتائب جاهزة بهياكلها القيادية وولاءاتها القبلية تحت مسميات رسمية، مثل جهاز دعم الاستقرار السابق، الذي عاث في العاصمة إجرامًا، وجهاز الردع وقوة العمليات المشتركة، ما يعرف بميليشيا 444 التي شرعنت أمنيًّا بـ اللواء 444 مقاتل، وميليشيا الفأر، وميليشيا الضاوي…. إلخ.. دون أرقام عسكرية حقيقية ودون عقيدة وطنية ودون محاسبة. وهذا هو الذي شرعنها أكثر وجعلها فوق الدولة، وهذا ما حذرت منه المنظمات الدولية والنشطاء الحقوقيون وسياسيون بوضوح.
فمثلا منظمة هيومن رايتس ووتش أكدت أن دمج الميليشيات يجب أن يكون على أساس فردي عقب التدريب والفحص الدقيق عوضًا عن أن يتم بصورة جماعية، لأن خطر دمج وحدات مستقلة بحالتها وهياكلها يكمن في أنها قد تشرع في تنفيذ أجنداتها الخاصة الإجرامية أو السياسية تحت غطاء الدولة. كما طالبت منظمة العفو الدولية السلطات بالتوقف فورًا عن تمويل الميليشيات ودمج أفرادها دون تدقيق لإبعاد المشتبه بهم في جرائم دولية.
وميليشيا الضاوي التي ظهرت في الصورة هي النموذج الصارخ لهذه الجريمة. فهذه المجموعة المسيطرة على مفاصل ورشفانة، وهي مدينة يعد التعداد السكاني لها الأول في ليبيا من حيث العدد، هذه الميليشيا متهمة بعد 2021 وفق تقارير حقوقية وأممية بالخطف والاحتجاز التعسفي والابتزاز المالي للأسر مقابل إطلاق سراح أبنائها وفرض الإتاوات على الطرق وتهريب الوقود والبشر وحتى ارتكاب حالات وفاة تحت التعذيب. وقد أصدر مكتب النائب العام الليبي نفسه أوامر حبس بحق بعض أفرادها بعد مواجهتهم بالأدلة لضلوعهم في انتهاكات جسيمة داخل المدينة.
إن استقبال الضاوي بهذه القيافة ليس مصالحة وطنية، بل هو إعلان استسلام نهائي ومذل. دولة تخلع بزتها الرسمية.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى