مقالات الرأي

الأحزاب الليبية: هل تبدأ معركة إنقاذ الوطن؟



بقلم: عبد الله ميلاد المقري

بعد سنوات من الفوضى والانقسام السياسي داخل ليبيا، التي لم تخرج من حالتها المركّبة نتيجة العدوان الخارجي، والذي جعل من شخوص فبراير وتنظيماتها أداة لتوسيع دائرة هذا العدوان، لإسقاط النظام السياسي الوطني، وإغراق البلاد في أتون الصراع؛ تمكنت التنظيمات الإرهابية من الاستيلاء على السلطة السياسية، بل إن بعضها سيطر على مدن بكاملها، وحوّلَها إلى إمارات داعشية تمتهن التكفير والاعتقال والقتل، ومصادرة الأملاك العامة والخاصة. ولن ينسى الليبيون مظاهر هذه المجموعات والتنظيمات الإرهابية، وهي تستعرض قوتها وآلياتها في ميادين درنة، وأحياء بنغازي، وشوارع سرت. ولم تسلم أغلب مدن ليبيا من هذا الوجود الإجرامي، الذي تجمّع من شتات بقاع الأرض، خاصة من المناطق الهشة في الشرق العربي وأفريقيا. ولم تشذ القاعدة عن هذه المسميات، فمجملها كان متواجدًا، وغرست أنيابها في جسد الدولة الليبية، التي لم تقوَ على مواجهة حجم المؤامرة. وبذلك التقت هذه التنظيمات الوافدة مع قوى محلية شاركتها في جريمتها، بعدما مهّدت الطريق للقوى العدوانية، المتمثلة في حلف الناتو، مع بعض دول الخليج العربي، التي تحصد الآن ثمار مؤامرتها على سوريا وليبيا، وعلى الأمة العربية لصالح المشروع الصهيوني.

وفي هذا السياق، لا ينبغي أن نغفل دور القوات المسلحة العربية الليبية، التي التحمت شعبيًّا، وتمكَّنت، رغم صعوبة المهمة، من تحرير مناطق كانت شبه مستحيلة، بعد مجازر ارتُكبت في حق المواطنين والأجهزة الأمنية. ومع التصميم والتضحية، تحررت بنغازي ودرنة وسبها، وأغلب المدن الساحلية، باستثناء بعض المدن التي خضعت لهيمنة ميليشيات جهوية استولت على مؤسسات الدولة، وحوَّلتها إلى مصادر ريع، وهيمنت على المراكز المالية، وتمرست بالسلاح، لتتحول إلى تنظيمات موازية للمؤسسة العسكرية الوطنية والمؤسسة الشرطية. ومع كل المبادرات السياسية، سواء عبر الأمم المتحدة من الصخيرات إلى جنيف، أو عبر الاتحاد الأفريقي، أما الجامعة العربية، فيتذكر الليبيون أن لها السبق في التآمر على ليبيا، إذ شرعت التدخل الأجنبي عام 2011.

وعلى الصعيد المحلي، واجهت القوى الشعبية إفرازات المؤامرة، وتصدَّت لها بعدة صور، إلى أن اقتربت من مرحلة تكوين الأحزاب، التي نشطت في الانخراط في العملية السياسية، بهدف المشاركة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، حيث بلغ عددها ما لا يقل عن 80 حزبًا سياسيًّا، إلا أنه، وبمجرد فشل إجراء الانتخابات، انتكست حالة الأحزاب، باستثناء بعضها الذي حافظ على مشروعه الوطني بعزيمة وإرادة في النضال السلمي. وكان لحزب الحركة الوطنية الليبية الفضل في دعوة الأحزاب الوطنية إلى المؤتمر، الذي عُقد لأول مرة يومي 22 و23 يوليو 2026 بمدينة سرت، التي استعادت دورها النضالي باحتضان هذا الحدث.

ويُعد انعقاد هذا المؤتمر ونجاحه خطوة في الاتجاه الصحيح، باعتبار أن الأحزاب هي الأداة الأساسية للعمل السياسي، في هذه المرحلة، قبل الوصول إلى مرحلة الاختيار الشعبي الحر، التي يصبح فيها الشعب مصدر السلطة. وعليه، فإن القرارات الصادرة عن هذا المؤتمر تمثل روحًا نضالية يمكن أن تثمر في المستقبل، إذا ما تم تنفيذها من قبل قواعد هذه الأحزاب، وهو ما قد يشكِّل اختراقًا حقيقيًّا في مواجهة السلطة الفاشلة والفاسدة ويتطلب ذلك من الأحزاب أن تفرض دورها الوطني دون خوف أو تردد، وأن تقود مرحلة التغيير نحو بناء الدولة المدنية الوطنية، الحرة، المستقلة، والموحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى