مقالات الرأي

ليبيا بين البطالة وهجرة الكفاءات


بقلم / عثمان الدعيكي
عندما تمتلك دولة احتياطيات نفطية تتجاوز 48 مليار برميل، وتحقق إيرادات سنوية بمليارات الدولارات، فإن المنطق الاقتصادي يفترض أن يكون خلق فرص العمل واستقطاب الكفاءات من أبرز نقاط قوتها. لكن المشهد في ليبيا يسير في الاتجاه المعاكس. فالبطالة ما زالت تؤرق شريحة واسعة من الشباب، بينما تستمر الكفاءات الوطنية في مغادرة البلاد بحثًا عن بيئات عمل أكثر استقرارًا وتقديرًا، وبين هاتين الظاهرتين تكمن أزمة هيكلية لا تتعلق بندرة الموارد، بل بطريقة إدارتها.
وتؤكد تقارير منظمة العمل الدولية أن معدلات بطالة الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعد الأعلى عالميًا، فيما يواجه الاقتصاد الليبي تحديات إضافية فرضها الانقسام السياسي، وتراجع الاستثمار، واعتماد الدولة بصورة شبه كاملة على القطاع العام كمشغل رئيسي للقوى العاملة. كما تشير بيانات مصرف ليبيا المركزي إلى أن بند المرتبات يستحوذ سنوياً على نسبة كبيرة من الإنفاق العام، وهو ما يقلص الموارد المخصصة للاستثمار والتنمية، ويجعل الاقتصاد أكثر اعتماداً على الإنفاق الاستهلاكي بدلاً من الإنفاق المنتج.
لكن المشكلة لا تبدأ من سوق العمل، وإنما من قاعات الدراسة. فمنذ سنوات طويلة، تسير مخرجات التعليم في اتجاه، بينما يتحرك سوق العمل في اتجاه آخر. فالجامعات تواصل تخريج آلاف الطلبة في تخصصات تجاوزت احتياجات السوق، في حين تعاني القطاعات الإنتاجية والخدمية من نقص واضح في الفنيين والتقنيين وأصحاب الحرف. وهكذا يجد الخريج نفسه يحمل شهادة جامعية لا يجد لها طلباً، بينما يضطر السوق إلى استيراد العمالة الأجنبية لسد احتياجاته في مجالات الكهرباء والسباكة والنجارة والحدادة واللحام والتكييف والصيانة وغيرها من المهن الأساسية.
وكان بالإمكان معالجة جزء كبير من هذه الفجوة لو حظي التعليم الفني والتقني بما يستحقه من اهتمام. إلا أن النظرة المجتمعية السلبية لهذا المسار، إلى جانب ضعف الاستثمار في المعاهد والمدارس المهنية، أدت إلى تراجع أعداد الملتحقين به، حتى أصبحت ليبيا تعتمد بشكل شبه كامل على العمالة الوافدة في كثير من المهن. ووفق تقديرات البنك الدولي، فإن تطوير التعليم المهني يعد أحد أهم أدوات خفض البطالة ورفع الإنتاجية في الاقتصادات النامية، لأنه يربط التدريب مباشرة باحتياجات السوق.
وفي المقابل، لجأت الحكومات المتعاقبة إلى حل يبدو سهلاً اجتماعيا، لكنه مكلف اقتصاديًا، وهو التوسع في التوظيف الحكومي لاستيعاب الباحثين عن العمل، وبمرور الوقت، تحول هذا النهج إلى أحد أبرز أسباب البطالة المقنعة، حيث تضم العديد من المؤسسات أعداداً من الموظفين تفوق احتياجاتها الفعلية، بينما لا يقابل ذلك ارتفاع مماثل في الإنتاجية أو جودة الخدمات.
وأصبحت الوظيفة العامة، في كثير من الأحيان، وسيلة للحصول على مرتب أكثر من كونها فرصة للإنتاج والعطاء. وهكذا جُمدت طاقات آلاف الشباب داخل مؤسسات لا تستفيد من قدراتهم، في الوقت الذي كان يمكن أن يكونوا فيه قوة دافعة لقطاع خاص منتج أو لمشروعات تنموية تخلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
إن استمرار هذا النهج لا يؤدي فقط إلى تضخم فاتورة المرتبات، بل يحرم الاقتصاد من موارد كان يمكن توجيهها إلى الاستثمار في البنية التحتية، وتنويع مصادر الدخل، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهي القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة.
ولا تقف تكلفة الخلل عند حدود البطالة، بل تمتد إلى ملف أكثر خطورة يتمثل في هجرة الكفاءات. فليبيا، التي تعاني أصلًا من محدودية الكفاءات المتخصصة في بعض المجالات، أصبحت تفقد سنوياً عدداً من أطبائها ومهندسيها وأساتذة جامعاتها وخبرائها لصالح أسواق عمل توفر رواتب أفضل، وحوافز أكبر، وبيئة مهنية أكثر استقراراً.
ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة بعامل الأجور وحده، بل بمنظومة كاملة لا تمنح الكفاءة ما تستحقه من تقدير. فما تزال كثير من المؤسسات تعتمد نظماً موحدة للمرتبات، يتساوى فيها الموظف المتميز مع الموظف محدود الإنتاجية ما داما يشغلان الدرجة الوظيفية نفسها. وفي غياب الحوافز المرتبطة بالأداء، تتراجع المنافسة الإيجابية، ويصبح الاجتهاد خياراً شخصياً لا ينعكس على الدخل أو المسار الوظيفي.
وفي المقابل، تقدم الأسواق الدولية حزماً متكاملة لاستقطاب أصحاب الخبرات، تشمل رواتب تنافسية، وتأميناً صحياً، وفرصاً للتدريب والترقي، وبيئة عمل قائمة على الإنجاز. والنتيجة أن الدول المستقبلة تحصل على كوادر جاهزة، بينما تتحمل ليبيا تكلفة تعليمها وتأهيلها منذ مراحل التعليم الأولى وحتى الدراسات العليا، لتجني دول أخرى ثمار هذا الاستثمار البشري.
كما أن استمرار الاعتماد على العمالة الأجنبية في المهن الفنية، بالتزامن مع هجرة الكفاءات الوطنية، يضاعف الضغوط على الاقتصاد الليبي، سواء من خلال تحويلات النقد الأجنبي إلى الخارج، أو من خلال فقدان الخبرات الوطنية التي تعد ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي.
إن مواجهة هذه الأزمة تتطلب التخلي عن الحلول السهلة التي تركز على تحسين أرقام البطالة دون معالجة أسبابها الحقيقية. فالإصلاح يبدأ بإجراء دراسات دورية لسوق العمل لتحديد احتياجاته الفعلية والمستقبلية، ثم إعادة صياغة سياسات التعليم والتدريب بما يتوافق مع تلك الاحتياجات. كما يتطلب إعادة الاعتبار للتعليم الفني والتقني، وإنشاء مدارس ومعاهد متخصصة في الحرف والمهن، بما يقلص الاعتماد على العمالة المستوردة ويخلق فرص عمل حقيقية للشباب الليبي.
وفي الوقت نفسه، أصبح إصلاح منظومة الأجور ضرورة اقتصادية لا تقل أهمية عن الإصلاح المالي. فربط الحوافز والترقيات بمؤشرات الأداء والإنتاجية وجودة الإنجاز من شأنه أن يعزز روح المنافسة، ويحافظ على الكفاءات، ويرفع كفاءة الإنفاق العام، ويمنح الموظف المجتهد التقدير الذي يستحقه.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن بناء الاقتصاد لا يبدأ من النفط، وإنما من الإنسان. وليبيا اليوم لا تحتاج إلى المزيد من الوظائف الحكومية بقدر ما تحتاج إلى المزيد من الوظائف المنتجة، ولا تحتاج إلى زيادة أعداد الموظفين، بل إلى زيادة إنتاجيتهم. فالثروة الحقيقية ليست فيما تختزنه الأرض من موارد طبيعية، وإنما فيما تمتلكه الدولة من عقول وسواعد قادرة على تحويل تلك الموارد إلى تنمية مستدامة وازدهار اقتصادي، وهو الرهان الذي سيحدد شكل الاقتصاد الليبي خلال العقود المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى