مقالات الرأي

فلسطين في قلب التضامن الأممي ومساحات الأمل الجديد



بقلم / محمد علوش

ليست الزيارات السياسية بالنسبة للمناضلين مجرد محطات عابرة في سجل الأيام، ولا هي انتقال جغرافي بين المدن والعواصم، بل هي لقاءات حية مع تجارب الشعوب، واكتشاف لمساحات جديدة من النضال المشترك، وبحث دائم عن القواسم الإنسانية التي تجمع المدافعين عن الحرية والعدالة والسلام في مختلف أنحاء العالم.

ومن هذا المنطلق، جاءت زيارتي إلى اليابان بدعوة من الرفاق في التجمع الوطني من أجل السلام والديمقراطية (ZENKO) للمشاركة في أعمال مؤتمره العام السادس والخمسين، الذي عقد في مدينة أوساكا، باعتبارها محطة سياسية وإنسانية مهمة، حملت الكثير من الدلالات في هذا الزمن الذي تتعرض فيه الشعوب، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، لأزمات وتحديات تاريخية عميقة.

منذ اللحظة الأولى للحضور في هذا المؤتمر، شعرت بأنني أمام تجربة نضالية مختلفة، حيث يلتقي التاريخ الياباني المليء بالدروس الإنسانية مع الحاضر الذي يبحث فيه المناضلون عن بدائل للهيمنة والحروب والاستغلال، فكان مؤتمر ZENKO مساحة واسعة للحوار بين قوى السلام والديمقراطية والقوى اليسارية والتقدمية التي جاءت من بلدان متعددة، تحمل معها تجارب شعوبها وآمالها وتطلعاتها نحو عالم أكثر عدلًا وإنسانية.

وفي هذا الفضاء النضالي، حضرت فلسطين بقوة في أعمال المؤتمر ونقاشاته، ولم تكن القضية الفلسطينية مجرد عنوان سياسي ضمن جدول الأعمال، بل كانت قضية حاضرة في الوعي والوجدان، باعتبارها نموذجًا صارخًا لمعاناة شعب يواجه الاحتلال والعدوان وسياسات التهجير والقهر، وفي الوقت ذاته مثالًا لصمود شعب متمسك بحقه التاريخي في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.

لقد لمست خلال المؤتمر حجم الاهتمام والتضامن مع الشعب الفلسطيني، والوعي المتزايد لدى الأصدقاء والرفاق حول حقيقة أن ما يجري في فلسطين لا يمكن اختزاله في صراع محلي، بل هو قضية إنسانية وأخلاقية وسياسية ترتبط بمستقبل النظام العالمي وبقدرة المجتمع الدولي على الدفاع عن قيم العدالة وحقوق الشعوب.

لقد أكدت في مداخلاتي أن الشعب الفلسطيني، رغم حجم المآسي والتحديات، سيواصل نضاله من أجل إنهاء الاحتلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وأن التضامن الدولي الصادق يشكِّل سندًا مهمًّا للشعوب التي تناضل من أجل حريتها، كما شددت على أهمية بناء أوسع شبكة من العلاقات بين القوى الديمقراطية والتقدمية في العالم، لأن قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية والسلام أصبحت اليوم أكثر ترابطًا من أي وقت مضى.

لقد كان لافتًا خلال المؤتمر مشاركة رفاق وأصدقاء من الولايات المتحدة وتايوان وكوريا الجنوبية والعراق، إضافة إلى القوى الديمقراطية والتقدمية اليابانية، حيث جمعتهم رؤية مشتركة تقوم على رفض الحروب وسياسات القوة، والدفاع عن حق الشعوب في اختيار مستقبلها بعيدًا عن الاحتلال والاستغلال والتبعية.

وفي هذه اللقاءات، ظهر بوضوح أن اليسار العالمي، رغم التحولات الكبرى والتحديات التي تواجهه، ما زال يمتلك القدرة على التجدد حين يقترب من قضايا الناس الحقيقية، وحين يجعل من العدالة الاجتماعية وحقوق العمال والشعوب محورًا لنضاله السياسي، فالقضية الفلسطينية، كما قضايا الشعوب الأخرى، ليست قضية تضامن عاطفي فقط، بل هي جزء من معركة أوسع حول شكل العالم الذي نريد بناءه.

وكان للقاءات التي جمعتني بالرفاق في حزب الحركة من أجل الديمقراطية الاشتراكية (MDS) في مدينة أوساكا أهمية خاصة، حيث جرى تبادل وجهات النظر حول التحولات السياسية العالمية، ودور القوى اليسارية والتقدمية في مواجهة صعود النزعات القومية المتطرفة وسياسات الهيمنة، وضرورة تعزيز العمل المشترك بين الحركات التي تناضل من أجل الديمقراطية والسلام والعدالة الاجتماعية.

لقد حملت هذه اللقاءات الكثير من المعاني الإنسانية والسياسية، فقد وجدت لدى الرفاق اليابانيين اهتمامًا عميقًا بالقضية الفلسطينية وإيمانًا راسخًا بأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون عدالة، وأن الأمن لا يمكن أن يقوم على استمرار الاحتلال أو إنكار حقوق الشعوب.

إن تجربة المشاركة في مؤتمر ZENKO السادس والخمسين في أوساكا أكدت لي أن التضامن الأممي ليس فكرة من الماضي، بل هو حاجة راهنة وضرورة مستقبلية، ففي عالم تتسع فيه الأزمات والحروب، تصبح العلاقات بين القوى الديمقراطية والتقدمية في مختلف القارات أكثر أهمية، لأنها تشكل جسرًا بين الشعوب، وصوتًا بديلًا يدافع عن الإنسان وحقوقه وكرامته.

غادرت اليابان وأنا أحمل صورة مشرقة عن شعب يقدِّر السلام، وعن رفاق يؤمنون بأن النضال من أجل العدالة لا يعرف حدودًا جغرافية، فقد كانت أوساكا بالنسبة لي أكثر من مدينة احتضنت مؤتمرًا سياسيًّا؛ كانت مساحة للتلاقي الإنساني، ومنصة لتجديد العهد بأن طريق الشعوب نحو الحرية والعدالة سيبقى مفتوحًا مهما اشتدت الصعوبات.

إن فلسطين التي حضرت في قاعات المؤتمر وفي أحاديث الرفاق وفي وجدان الأصدقاء، ستبقى حاضرة في ضمير أحرار العالم، ومهمتنا جميعًا هي تحويل هذا التضامن إلى فعل سياسي وشعبي متواصل، يعزز مكانة قضيتنا العادلة، ويفتح آفاقًا أوسع لبناء عالم تسوده الحرية والسلام والعدالة.

زر الذهاب إلى الأعلى