مقالات الرأي

حين تصبح الكلمة مسؤولية وطن



بقلم /فرج بوخروبة

لم يكن الإعلام في ليبيا، في جوهر رسالته، مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو منصة لعرض الوقائع، بل كان ولا يزال أحد أهم أدوات صناعة الوعي العام وبناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته. فالإعلام الحقيقي لا يكتفي بوصف الحدث، بل يسهم في تفسيره، ويمنح الناس القدرة على فهمه بعيدًا عن الضجيج والانفعال. لذلك لم تكن الكلمة يومًا مجرد وسيلة للتأثير، وإنما مسؤولية أخلاقية ووطنية، تتعاظم قيمتها كلما اشتدت الأزمات وتعقدت الظروف.

غير أن المشهد الإعلامي الليبي شهد خلال السنوات الماضية تحولات عميقة أضعفت هذه الرسالة، وأبعدت جزءًا كبيرًا من مؤسساته عن دورها الطبيعي. فقد تراجع الإعلام المهني أمام إعلام الاصطفاف، وغابت المسافة الفاصلة بين الخبر والرأي، وبين الرسالة الإعلامية والدعاية السياسية، حتى بدا المشهد وكأن كل منصة تخاطب جمهورًا خاصًّا بها، وتدافع عن رواية واحدة، وتغلق أبوابها أمام كل ما يخالفها. وهكذا أصبح الانحياز في بعض الأحيان معيارًا للنجاح، بينما تراجعت قيم الحياد والتوازن والبحث عن الحقيقة إلى الصفوف الخلفية.

ولم يكن هذا التحول مجرد خلل مهني، بل ترك أثرًا بالغًا في المجتمع. فالإعلام الذي يُفترض أن يكون جسرًا بين أبناء الوطن، تحول في كثير من الأحيان إلى مساحة لتوسيع هوة الخلاف، وإعادة إنتاج الانقسام بلغة أكثر حدة وتأثيرًا. وحين تصبح الكلمة أداة للاستقطاب، يتحول الاختلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية، ويغدو الشك سيد الموقف، وتتآكل الثقة بين المواطنين شيئًا فشيئًا.

ولعل أخطر ما أفرزته هذه المرحلة هو تراجع ثقة المواطن في الخطاب الإعلامي. فلم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل أصبح: من الذي يروي ما حدث؟ وهذا السؤال وحده يكشف حجم الأزمة؛ لأن المجتمعات التي تفقد ثقتها في مصادر المعرفة تصبح أكثر عرضة للشائعات، وأكثر قابلية لتصديق الروايات المتناقضة، ويصبح الوصول إلى الحقيقة مهمة شاقة وسط ضجيج المصالح وتزاحم الأصوات.

ولا يعني ذلك إنكار وجود إعلاميين وصحفيين ليبيين حافظوا على مهنيتهم رغم صعوبة الظروف، فقد أثبت كثير منهم أن الالتزام بأخلاقيات المهنة لا يرتبط بالإمكانات بقدر ما يرتبط بالضمير. غير أن هذه الأصوات الهادئة كثيرًا ما تضيع وسط صخب الخطابات المتشنجة، حيث يُستبدل عمق الفكرة بارتفاع الصوت، وتُقدَّم الإثارة على المعلومة، ويُستعاض عن البرهان بالشعار.

إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يفرض نفسه اليوم ليس: مع من يقف الإعلام؟ بل: مع أي قيمة يقف؟ فالإعلام الذي يقف مع الحقيقة لا يخشى النقد، ولا يتردد في الإشادة بالمحسن أو مساءلة المخطئ، أيًّا كان موقعه أو انتماؤه. أما الإعلام الذي يربط رسالته بالمواقف الآنية والولاءات الضيقة، فقد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه يخسر أثمن ما يملكه، وهو المصداقية. وهذه لا تُمنح بقرار، ولا تُشترى بالإمكانات، وإنما تُبنى بتراكم الصدق والاتزان، وقد تنهار بسبب موقف واحد يفتقد إلى النزاهة.

وفي خضم هذا المشهد، تبدو القضايا التي تمس حياة المواطن اليومية أكثر استحقاقًا للاهتمام من كثير من المعارك الإعلامية الدائرة. فالمواطن الذي ينهض مع ساعات الصباح الأولى سعيًا وراء رزقه، لا يبحث عن خطاب يزيده انقسامًا أو قلقًا، بل ينتظر إعلامًا يسلط الضوء على جودة التعليم، وكفاءة الخدمات الصحية، واستقرار الكهرباء، وارتفاع الأسعار، وفرص العمل، وقضايا الشباب، وكل ما يلامس تفاصيل حياته. فهذه هي الملفات التي تقاس بها قيمة الإعلام، لأنها تمس الإنسان قبل السياسة، والمجتمع قبل السلطة.

إن وظيفة الإعلام ليست صناعة الأبطال ولا رسم صور الشياطين، وإنما مراقبة الأداء العام، والدفاع عن حق الناس في المعرفة، وتقديم المعلومات بميزان واحد، دون انتقائية أو تضليل. فالكلمة ليست مجرد نص يُكتب أو خبر يُبث، بل موقف أخلاقي، وأمانة لا تقل خطورة عن أي مسؤولية عامة. وكلما اشتدت الأزمات، ازدادت الحاجة إلى إعلام يتسلح بالحكمة، ويقدم الوقائع كما هي، ويترك للجمهور حق تكوين قناعاته بعيدًا عن التوجيه والإملاء.

كما أن ليبيا، بما تملكه من تنوع اجتماعي وثقافي وجغرافي، تحتاج إلى خطاب إعلامي يرسخ المشتركات الوطنية، ويعيد الاعتبار لفكرة الوطن بوصفها المظلة التي تتسع للجميع. فالاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة دائمة، والتعدد لا يعني الانقسام، بل قد يكون مصدرًا للقوة متى أحسن الإعلام إدارته، وقدّم الحوار على الخصام، والتفاهم على التشكيك، وبناء الثقة على تغذية المخاوف.

أما اللغة الإعلامية، فهي ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل جزء من الرسالة ذاتها. وأكثر اللغات تأثيرًا ليست تلك التي تثقلها الشعارات أو تغرق في المصطلحات، وإنما اللغة الواضحة الرصينة، القريبة من وجدان الناس، التي تخاطب العقل وتحترم الذائقة، وتصل إلى الجميع دون تكلف. إنها لغة تجمع بين فصاحة العربية ودفء التعبير المحلي، فتلامس وجدان المواطن أينما كان، في المدينة والقرية، في الجامعة والسوق، وفي كل مكان يظل فيه الوطن حاضرًا في الوجدان.

إن مستقبل الإعلام في ليبيا لن تصنعه كثرة المنصات، ولا سرعة نقل الأخبار، ولا تطور التقنيات وحدها، وإنما ستصنعه منظومة من القيم، في مقدمتها الاستقلال، والموضوعية، والمهنية، والشفافية، واحترام عقل المتلقي. فالإعلام الذي يحترم جمهوره لا يحتاج إلى المبالغة، لأنه يدرك أن الثقة تُبنى بالحقيقة، وأن الضجيج قد يلفت الانتباه للحظة، لكنه لا يصنع أثرًا باقيًا.

وفي نهاية المطاف، ستظل الكلمة هي الامتحان الأصعب لكل إعلامي. فقد تكون جسرًا يعبر عليه الناس نحو التفاهم، وقد تتحول إلى جدار يعمق القطيعة بينهم. وبين هذين الطريقين يتحدد مستقبل الإعلام، ويتحدد معه جزء مهم من مستقبل الوطن. وإذا كانت ليبيا تتطلع إلى غد أكثر استقرارًا وعدلًا، فإنها بحاجة إلى إعلام يجعل الحقيقة بوصلته، والإنسان غايته، والوطن سقفه الذي لا يعلو عليه انتماء، ولا تتقدمه مصلحة، ولا تُساوم فيه الكلمة على رسالتها.

زر الذهاب إلى الأعلى