الملاك الوظيفي بين المشروعية والتحايل الإداري

بقلم / غادة الصيد
في كل مرة يطرح فيها ملف الوظيفة العامة، يعود الحديث عن الملاك الوظيفي باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لتنظيم الجهاز الإداري وضبط الإنفاق العام. غير أن هذا المفهوم الذي يفترض أن يكون أداة للتخطيط والعدالة في توزيع الوظائف، أصبح محل جدل واسع عندما تحول الرقم المالي من وسيلة تنظيمية إلى مبرر تعلق عليه بعض القرارات والإجراءات التي تمس مستقبل الموظفين وحقوق طلبي العمل، فبين ضرورة احترام الضوابط المالية للدولة، وبين الالتزام بهذه المشروعية الإدارية يبقى السؤال قائما: هل يستخدم الرقم المالي لتحقيق الانضباط وحسن إدارة الموارد، أم أصبح في بعض الحالات غطاء لممارسات إدارية تتجاوز حدود السلطة التقديرية للإدارة؟ فالإدارة الناجحة هي التي توازن بين حماية المال العام وصون حقوق الأفراد، وتلتزم بأن تكون قراراتها قائمة على القانون لا على مبررات استثنائية قابلة للتوسع.
فنظام الوظيفة العامة يقوم على جملة من المبادئ القانونية التي تهدف إلى تحقيق التوازن بين حاجة الدولة إلى إدارة مواردها البشرية والمالية، وبين ضرورة حماية الحقوق الوظيفية للعاملين والمتقدمين لشغل الوظائف العامة، فالإدارة وإن كانت تملك سلطة تنظيم المرافق العامة وتحديد احتياجاتها، إلا أن هذه السلطة ليست مطلقة، بل تقيدها قواعد المشروعية ومبدأ المساواة وتكافؤ الفرص.
يعد الملاك الوظيفي من الوسائل الإدارية التي تعتمد عليها الجهات العامة لتحديد الوظائف المعتمدة لديها، وتصنيفها وربطها بالاحتياجات الفعلية، والاعتمادات المالية المقررة، ومن هذا المنطلق فإن وجود رقم مالي للوظيفة أو الدرجة لا يمثل مجرد إجراء شكلي، وإنما يرتبط بالتخطيط المالي للدولة وضمان عدم تحميل الميزانية العامة أعباء غير مدروسة، غير أن الإشكالية تظهر عندما يتم التعامل مع الرقم المالي باعتباره شرطًا مانعًا بصورة مطلقة، دون النظر إلى القواعد القانونية المنظمة لشغل الوظائف العامة، أو عندما يستخدم كذريعة لتعطيل إجراءات يفترض أن تتم وفق معايير واضحة وشفافة، فالأصل أن تكون القيود الإدارية محددة بموجب القانون وألا تتحول الوسائل التنظيمية إلى عوائق تعصف بالحقوق أو تفتح مجالًا للتقدير غير المنضبط، لأن من المبادئ المستقرة في القانون الإداري أن للإدارة سلطة تقديرية في إدارة المرافق العامة، واختيار الوسائل المناسبة لتحقيق المصلحة العامة، إلا أن هذه السلطة تظل خاضعة للرقابة القانونية، فلا يجوز للإدارة أن تنحرف عن الغاية التي من أجلها منحت هذه الصلاحية، أو تستخدم أو أسبابًا ظاهرها التنظيم وباطنها تعطيل الحقوق أو تحقيق أغراض لا يقرها القانون، وعليه فإن الاستناد إلى عدم وجود رقم مالي قد يكون مبررًا في الحالات التي تتعلق بعدم توفر اعتماد مالي حقيقي أو عدم وجود وظيفة شاغرة ضمن الملاك المعتمد، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة عامة تمنح الإدارة سلطة مفتوحة لتعليق الحقوق دون تحديد واضح للمدة أو الإجراءات أو أسباب الرفض، ومن ثم فإن أي معالجة لملف الملاك الوظيفي يجب أن تنطلق من تحقيق التوازن بين أمرين متلازمين:
الأول حماية المال العام ومنع التضخم الوظيفي، غير المنظم، والثاني احترام الحقوق المكتسبة والمراكز القانونية التي نشأت وحق الإجراءات الصحيحة، فلا يمكن للإدارة أن تتذرع بالاعتبارات المالية لتجاوز قواعد القانون، كما لا يمكن تجاهل الواقع المالي للدولة عند تنظيم الوظيفة العامة، لأن الإدارة الرشيدة هي التي تجمع بين الانضباط المالي والعدالة الإدارية، ولهذا نحن نحتاج إلى مراجعة شاملة لمنظومة الملاك الوظيفي بما يضمن توحيد الإجراءات بين الجهات العامة ووضع معايير دقيقة لشغل الوظائف وربط الاحتياجات الفعلية بالتخطيط المالي، مع توفير ضمانات قانونية تمنع إساءة استعمال السلطة التقديرية للإدارة.
وفي النهاية فإن احترام مبدأ المشروعية هو المعيار الفاصل بين الإدارة التي تعمل لخدمة الصالح العام، والإدارة التي قد تنحرف عن أهدافها تحت مبررات تنظيمية، فكلما كانت القواعد أكثر وضوحًا، والقرارات أكثر شفافية، كانت الثقة في مؤسسات الدولة أقوى، وكانت الوظيفة العامة أقرب إلى تحقيق غايتها الأساسية: خدمة المواطن وبناء دولة القانون.
