المؤتمر الأول للأحزاب الليبية يختتم أعماله في سرت بالدعوة إلى ترسيخ الحوار وتوحيد المؤسسات

سيد العبيدي – الموقف الليبي
اختتمت الأحزاب السياسية الليبية أعمال المؤتمر الأول للأحزاب الليبية، الذي استضافته مدينة سرت على مدى يومين خلال الفترة من 22 إلى 23 يوليو 2026، بإصدار بيان ختامي تضمن حزمة من القرارات والتوصيات الهادفة إلى معالجة الأزمة السياسية الراهنة، واستعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء المراحل الانتقالية، والدفع نحو إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تقود البلاد إلى الاستقرار.
وأكدت الأحزاب، في مستهل البيان، تحيتها لشهداء الوطن عبر مختلف المراحل التاريخية وفي جميع أنحاء ليبيا، مستذكرة شهداء معركة القرضابية، وشهداء عملية البنيان المرصوص، وشهداء القوات المسلحة العربية الليبية الذين ساهموا في تطهير مدينة سرت من الإرهاب.
وأعربت عن قلقها البالغ إزاء ما تمر به البلاد من انسداد سياسي وانقسام في السلطات والمؤسسات، معتبرة أن هذه الأوضاع أفرزت تداعيات خطيرة تهدد وحدة ليبيا وسيادتها واستقرارها، كما أشارت إلى أن الأزمة الممتدة منذ نحو خمسة عشر عامًا، وما صاحبها من تدخلات أجنبية، أسهمت في تعميق الانقسام، وإضعاف مؤسسات الدولة، والعبث بمقدرات الشعب الليبي، الأمر الذي أدى إلى معاناة غير مسبوقة للمواطنين.
كما حذرت الأحزاب من استمرار هشاشة الوضع الأمني، وضعف الاستقرار، وانتشار السلاح خارج سيطرة الدولة، إضافة إلى التهديدات الإرهابية العابرة للحدود، مستشهدة بالهجوم الذي استهدف بوابة غرنديقة الأسبوع الماضي، معتبرة أن استمرار هذه الأوضاع قد يدفع البلاد نحو مزيد من الفشل وعدم الاستقرار.
وتطرقت إلى تعثر المبادرات الدولية والأممية السابقة الخاصة بحل الأزمة الليبية، مؤكدة تقديرها لتلك الجهود، مع التشديد على ضرورة أن يرتبط أي مسار للحل بالحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلمها الاجتماعي وأمنها القومي، وأن يفضي إلى توحيد مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على القوات المسلحة العربية الليبية باعتبارها، وفق البيان، صمام أمان الوطن وسياج وحدته وأحد أهم عوامل استقراره.
وأشارت كذلك إلى متابعتها بقلق لحالة عدم الاستقرار التي يشهدها النظام الدولي وتصاعد الصراعات الإقليمية، معتبرة أن ذلك يقلص فرص التوصل إلى توافق دولي بشأن حل الأزمة الليبية عبر مجلس الأمن.
وأكدت الأحزاب أن الطريق الوحيد لاستعادة الدولة وشرعية مؤسساتها يتمثل في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة، تقود البلاد نحو الاستقرار الدائم، مع مشاركة الأحزاب السياسية فيها على أساس البرامج السياسية، بما يجسد مبدأ التداول السلمي على السلطة.
توصيات المؤتمر الأول للأحزاب
وأوصى المؤتمر بتمكين الأحزاب السياسية من القيام بدورها الأساسي والفاعل في العملية السياسية، بما يسهم في إنهاء المحاصصات الضيقة والترتيبات الجهوية والمناطقية، وتحقيق مطلب الشعب بإجراء الانتخابات خلال فترة زمنية محددة.
كما أوصى، اتساقًا مع مخرجات اللجنة الاستشارية ولجنة الحوار المهيكل، بأنه في حال تعذر التوصل إلى حل عاجل للأزمة، يلتئم الشعب الليبي في مؤتمر تأسيسي يحدد هوية الدولة ونظامها السياسي والاقتصادي وثوابتها الوطنية، على أن تُحال مخرجاته إلى لجنة فنية لصياغتها في مشروع دستور دائم يُعرض على الاستفتاء الشعبي تمهيدًا للانتقال إلى المرحلة الدائمة.
ودعت الأحزاب إلى توفير الضمانات القانونية اللازمة لتمكينها من المشاركة الفاعلة في الانتخابات العامة على أساس البرامج السياسية، وفق قانون انتخابي يمنحها دورًا مؤثرًا في تشكيل السلطة التشريعية، مع النص على أن تكون ملكية المقاعد التي تفوز بها القوائم الانتخابية للأحزاب نفسها، بما يضمن التزام النواب المنتخبين ببرامجهم السياسية.
كما أوصى المؤتمر بتفعيل التشريعات النافذة التي تجرم تلقي الأحزاب أي دعم خارجي مالي أو سياسي، وبأن تنحاز القوانين الانتخابية المقبلة لذوي الدخل المحدود والطبقات الوسطى والفئات الهشة، من خلال إقرار تمييز إيجابي يمنحها تمثيلًا أوسع ويحد من تأثير المال الفاسد.
وشملت التوصيات أيضًا اتخاذ إجراءات حازمة لتطبيق التشريعات النافذة عبر تجريد المختلسين من الأموال التي استولوا عليها، ومحاكمتهم، وتعزيز التعاون والضغط الدولي لمكافحة غسل الأموال، واستعادة الأموال المهربة إلى الخارج، وملاحقة المتورطين قضائيًّا تحقيقًا للعدالة الاجتماعية ومنعًا للطبقية.
قرارات مؤتمر الأحزاب
وفي جانب القرارات، أعلن المؤتمر دعم كل مبادرة جادة وعملية، وعلى رأسها المبادرة الأمريكية للسلام في ليبيا، شريطة أن تركز على توحيد مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها السلطة التنفيذية، والقضاء على الفساد، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وإدماج المجموعات المسلحة، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال إطار زمني لا يتجاوز سنتين، بما يمهد للانتقال إلى المرحلة الدائمة وإنهاء المراحل الانتقالية.
كما قررت الأحزاب التعاون مع جميع الأطراف، دون استثناء، لإنقاذ البلاد من المخاطر التي تواجهها، والمشاركة الفاعلة في العملية السياسية انطلاقًا من دورها الذي تكفله التشريعات النافذة، باعتبارها جزءًا أصيلًا من الإرادة الوطنية.
وقرر المؤتمر كذلك المشاركة بفاعلية في جميع الجهود الرامية إلى تحقيق المصالحة السياسية والمجتمعية، إلى جانب تشكيل كتلة وطنية تضم الأحزاب المشاركة في المؤتمر، إضافة إلى الأحزاب التي تنضم لاحقًا وتؤمن بمخرجاته.
واعتمد المؤتمر تشكيل لجنة عليا لمتابعة تنفيذ مخرجاته، ينبثق عنها لجنة للتواصل مع الأطراف الداخلية، ولجنة للتواصل مع المجتمع الدولي بشأن حل الأزمة الليبية، ولجنة فنية لمراجعة قانون الأحزاب والعمل على توفير الضمانات القانونية اللازمة، ومنح الحماية القانونية لمقار الأحزاب وقياداتها، والتأكيد على حقها في تخصيص ميزانية سنوية وفقًا للتشريعات النافذة.
كما أعلن المؤتمر دعمه لمبادرة عقد مؤتمر ليبيا للسلام تحت شعار “العودة إلى الشعب” بمدينة سرت، بمشاركة مختلف المكونات الوطنية، باعتباره إطارًا جامعًا لإعادة توحيد القرار الوطني وترسيخ السيادة الوطنية.
وشملت القرارات أيضًا دعوة الأحزاب السياسية إلى إعداد برامج تدريبية وتثقيفية تستهدف رفع قدرات أعضائها وكوادرها، إلى جانب قبول الدعوة لعقد المؤتمر الثاني للأحزاب الليبية في منطقة وادي الحياة.
وفي ختام البيان، وجهت الأحزاب السياسية التحية إلى أهالي مدينة سرت، وكافة أجهزتها الإدارية والأمنية والعسكرية، والعاملين في مرافقها الحيوية، كما أعربت عن شكرها وتقديرها للجنة الإعلامية التي واكبت أعمال المؤتمر، وأسهمت في تغطيته وتهيئة الظروف الملائمة لإنجاحه.
