الكهرباء في ليبيا.. من مشروع وطني إلى أزمة تطحن المواطن

تقرير _ عفاف الفرجاني
بعد سنوات من الانقطاع والمعاناة، وبعد مليارات أُنفقت دون جدوى، يبقى السؤال الذي يطرحه ملايين الليبيين كل يوم: متى يصبح النور حقًّا مستقرًّا، لا انتظارًا يوميًّا؟ الكهرباء ليست رفاهية، إنها أساس الحياة الحديثة، وعندما تعجز دولة عن تأمينها، فإنها تفقد قدرتها على تقديم أبسط الخدمات لمواطنيها.
ليبيا اليوم في أمس الحاجة إلى نهضة جديدة في قطاع الكهرباء، نهضة تبدأ بالشفافية والمحاسبة، وتنتهي بنور دائم يضيء بيوت الليبيين.. نحن لا نطلب المستحيل، نريد فقط أن نضغط على مفتاح الكهرباء فيعمل، نريد أن نعيش حياة طبيعية.
لم تكن الكهرباء في ليبيا يوما أزمة مزمنة، ولم يعد انقطاع التيار الكهربائي في ليبيا مجرد خلل فني، ولا أزمة موسمية مرتبطة بارتفاع الحرارة، بل تحول إلى واقع يومي يطحن حياة الملايين، أصبح المواطن الليبي يرتب يومه على جداول “طرح الأحمال”، ويعد الساعات التي ينقطع فيها النور وكأنها جزء من روتينه القسري.
الكهرباء التي كانت عنوانًا للنهضة والتنمية، أصبحت اليوم مرآة لتراجع الدولة، ومؤشرًا على أزمة إدارة طاحنة، وقضية تمس كل بيت ليبي، من طرابلس إلى بنغازي، ومن غات إلى الكفرة.
فكيف تحولت ليبيا من دولة فائضة في إنتاج الكهرباء إلى دولة تعيش أزمات “البلاك آوت” المتكررة؟ وأين ذهبت المليارات التي صرفت على هذا القطاع الحيوي؟
من التخطيط الاستراتيجي إلى واقع الانقطاعات
لم يكن الليبيون يعرفون أن فصل الصيف سيقترن بجدول طرح الأحمال، وأن المولدات الخاصة ستصبح جزءًا من المشهد اليومي، وأن دولة تمتلك من النفط والغاز ما يكفي لإنارة نصف القارة الإفريقية ستعجز عن توفير الكهرباء لمنازل مواطنيها.
هذه ليست قصة انقطاع تيار كهربائي، بل قصة قطاع كان يوما أحد أعمدة التنمية، ثم تحول تدريجيًّا إلى أحد أكثر ملفات الدولة إثارة للجدل، بعد أن أصبح المواطن يدفع ثمن سنوات من الحروب، والانقسام، وتعثر الإدارة، وتراجع الصيانة، واستمرار التحقيقات في شبهات تتعلق بإدارة المال العام.
قبل عام 1969، لم تكن منظومة الكهرباء في ليبيا تتجاوز محطات صغيرة في طرابلس وبنغازي وبعض المدن الأخرى، تعتمد على مولدات الديزل، ولم تكن هناك شبكة وطنية موحدة تربط شرق البلاد بغربها أو شمالها بجنوبها.
مع انطلاق خطط التنمية الثلاثية والخماسية بين عامي 1970 و1983، تغير المشهد بصورة جذرية. أدركت الدولة آنذاك أن الكهرباء ليست خدمة ثانوية، وإنما هي أساس التنمية كلها، فلا صناعة دون طاقة، ولا مستشفيات، ولا جامعات، ولا مشاريع إسكان، ولا توسع عمراني دون شبكة كهرباء قوية.
خلال تلك السنوات، تضاعفت القدرة الإنتاجية، في أولى مراحل التوسع، ثم استمرت الزيادة بوتيرة متصاعدة، وفي عام 1976، بدأت ليبيا إنشاء أول شبكة جهد فائق لربط المحطات الممتدة على طول الساحل، بعد أن كانت كل مدينة تعتمد على شبكة شبه مستقلة، وكان ذلك المشروع نقلة استراتيجية في تاريخ الكهرباء الليبية، لأنه وضع الأساس لأول شبكة وطنية حقيقية.
ورغم أزمة انخفاض أسعار النفط في أوائل الثمانينيات، وما فرضته من ضغوط اقتصادية، استمرت الدولة في تنفيذ مشروعات الكهرباء. وفي أواخر عام 1984، تأسست الشركة العامة للكهرباء، وبدأت عملها مطلع عام 1985 كشركة وطنية متخصصة، لتتولى إدارة القطاع بصورة أكثر استقلالية، وتعمل على توحيد الشبكات المحلية، وتأهيل الكوادر الليبية، حتى أصبحت غالبية أعمال التشغيل والصيانة تدار بخبرات وطنية مع بداية التسعينيات.
ومع تحسن الأوضاع الاقتصادية بعد رفع الحصار، وعودة مصادر التمويل، وضعت الشركة خطة استراتيجية للفترة من 2000 إلى 2025، ثم جرى تحديثها عام 2005 بإضافة آلاف الميغاوات الجديدة، قبل أن يتم التعاقد، حتى عام 2010، على ما يقارب سبعة آلاف ميغاوات أخرى، عبر إنشاء محطات غازية حديثة في مختلف أنحاء البلاد.
كما بدأ تنفيذ شبكة 400 كيلو فولت لتلبية الطلب المتزايد، وربط مشاريع استراتيجية، وفي مقدمتها مشروع النهر الصناعي، قبل أن تمتد الشبكة على طول الساحل الليبي.
لم تكن تلك الخطط مجرد أوراق، فقد شهدت البلاد إنشاء محطات رئيسية، منها غرب طرابلس، والزويتينة، وشمال بنغازي، والرويس، والحرشة، والسرير، والخمس، إلى جانب مشروعات مصراته، وسرت، وأوباري، التي تعطل بعضها بسبب أحداث عام 2011، ثم دخل الخدمة بعد سنوات من التأخير.
بداية الانهيار.. من القصف إلى الفساد
عام 2011 لم يكن تحولًا سياسيًّا، بل كان بداية انهيار أصاب واحدًا من أهم القطاعات الحيوية في البلاد، حيث تعرضت محطات التوليد وخطوط النقل لأضرار مباشرة، وغادرت الشركات الأجنبية التي كانت تنفذ أعمال الصيانة وتطوير الشبكات.
ومع مرور الوقت، لم تعد الأزمة مرتبطة بالحرب وحدها، بل تشابكت فيها عوامل كثيرة، وتعديات متكررة على خطوط النقل، وسرقات للأسلاك والمعدات عن طريق الميليشيات الإجرامية المسلحة، التي كانت تبيع قطع الغيار الكهربائية وتهربها، إلى جانب توصيلات غير قانونية رفعت الأحمال بصورة تفوق التصميم.
وفي أكثر من مناسبة، أعلنت الشركة العامة للكهرباء عن سرقة خطوط ضغط عال، ومحولات، ومكونات للشبكة، تسببت في انقطاع التيار عن مناطق واسعة.
بين عدسات الكاميرات والاستعراض.. وظلام المدن
من أخطر أشكال الفساد أن تتحول المؤسسات إلى غنائم، فتسند المسؤوليات إلى من لا يملك الكفاءة ولا الخبرة، بينما يتم تهميش أصحاب التخصص والخبرة المتراكمة، هذا ما يعتقده كثيرون أنه حدث في قطاع الكهرباء، حيث يرى منتقدون أن تعيين شخصيات غير مؤهلة في مواقع قيادية أضعف الإدارة وأربك القرار، في حين بقيت المنظومة تعمل بفضل ما تبقى من مهندسين وفنيين وخبرات تراكمت عبر عقود ولم تغادر مواقعها، هؤلاء هم من حافظوا على الحد الأدنى من استمرارية الشبكة، رغم كل الظروف.
الألم يتجاوز الظلام
في البيوت.. حياة تتعطل داخل المنازل، تتوقف الحياة عند انقطاع التيار: أجهزة التكييف تخرج عن الخدمة في عز الحر، مضخات المياه تتوقف، وتجف الخزانات، المصاعد تعلق، وتحبس السكان في العمارات المرتفعة، الثلاجات تفشل في حفظ الطعام، وتتلف المؤن والأدوية، والأجهزة الإلكترونية تتضرر من تقلبات التيار.
في المستشفيات.. حياة أو موت
إذا كان انقطاع الكهرباء يسبب إزعاجًا في المنازل، فإنه في المستشفيات يتحول إلى مسألة حياة أو موت.. غرف العمليات، العناية المركزة، أجهزة غسيل الكلى، حفظ الأدوية واللقاحات.. كلها تعتمد على الكهرباء، ورغم وجود مولدات احتياطية، فهي صُممت للطوارئ القصيرة، وليس للانقطاعات المتكررة التي تمتد لساعات طويلة يوميًّا.
تأثيرات كارثية على قطاع الإنتاج
▪ الزراعة خاصة في مناطق: الجفارة، الجبل الأخضر، الجنوب، والواحات، تعتمد على الكهرباء لتشغيل الآبار ومنظومات الري، ومع تكرار الانقطاع، يضطر المزارعون إلى تشغيل المولدات الخاصة، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وصعوبة الحصول عليه، والنتيجة تراجع كبير في الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الخضار والفواكه، وزيادة الاعتماد على الاستيراد من الدول المجاورة.
▪ المصانع والورش الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، تعاني هي الأخرى. خطوط الإنتاج تتوقف فجأة، المواد الخام تتلف، الطلبيات تتأخر، والعمال يضطرون إلى الجلوس دون عمل.
▪ في عصر الرقمنة، تعتمد المصارف وشركات الاتصالات والمؤسسات الحكومية على الكهرباء لتشغيل أنظمتها، وعندما ينقطع التيار، تتوقف المعاملات المصرفية، وتتعطل أجهزة الصراف الآلي، وتتأخر الخدمات الإلكترونية.
المواطن الذي يريد صرف مرتبه أو إنجاز معاملة حكومية، يجد نفسه أمام مؤسسات عاجزة عن تقديم الخدمة بسبب غياب الطاقة.
الشركة العامة للكهرباء التي أنفقت ميزانيات ضخمة، الواقع يترجم وضعًا آخر، كل ما تم استيراده من قطع غيار ومحطات توزيع كان في أدنى جودة، يفتقر إلى المواصفات القياسية المعتمدة، حتى أنها لم تدم طويلا، كل هذا بتكليف مباشر وعن طريق مدراء الشركة المتعاقبين وبأسعار مضاعفة.
إنفاق مهول والنتيجة إظلام عام
قيمة ما صرف على بناء شبكة الكهرباء منذ 1969 إلى 2011 لم يتجاوز 19 مليار دولار ما يعادل (24 مليار دينار) طيلة 40 عامًا، وكان يدير القطاع مهندسون ليبيون عرفوا بالمهنية والوطنية والنزاهة، منهم: المرحوم جمعة الأربش، المهندس عمران أبو كراع، المهندس ونيس بلقاسم، مصطفى نتفه، وعلي إدريس، بينما ما صرف على الكهرباء منذ 2011 يزيد على “مائة مليار دولار”، منها 40 مليار دولار خلال أربع سنوات من عام 2022 إلى الآن.
فالذين تولوا إدارة الكهرباء منذ 2011 إلى اليوم، عرفوا بالفساد وعدم الكفاءة وعدم الاكتراث لمعاناة المواطنين، حيث كان على رأس القطاع القيادي الإخواني عوض البرعصي، الذي امتدت فترته من 2011 إلى 2013 تورط في قضايا فساد بالملايين، ولم يقدم للقطاع شيئًا يذكر إلا الحضور الباذخ للصور والقليل من الخدمات والكثير من الفساد، حتى سمي من قبل الليبيين (عوض صورني) وإلى اليوم يقيم في تركيا.
ثم جاء بعده والذي ينافسه في الفساد الإداري الإخواني علي امحيريق، من 2013 إلى 2014، هذا الوزير يحمل الجنسية الكندية وتورط في شبهات فساد، وغادر ليبيا إلى بلاده كندا، منذ سنة 2014، ثم المدعو نور الدين علي سالم ومدته كانت من 2015 إلى 2017 أيضًا تورط مثل من سبقه في قضايا فساد واختلاسات وهرب وعائلته إلى ألمانيا، وكلف بعد ذلك عبدالمجيد محمد حمزة لإدارة الشركة العامة للكهرباء في 2017 ذو الجنسية البريطانية، ثم كلف وئام لعبدلي، فخري المسماري، والاستعراضي عوض البدري، ثم المقاول محمد إسماعيل، والآن يتولاها طبيب أسنان محمد المشاي.
ما العمل؟
يرى خبراء أن حل أزمة الكهرباء في ليبيا يحتاج إلى رؤية شاملة وطويلة المدى، تقوم على:
1. القضاء على مظاهر الفساد بالشركة، وتكليف عناصر وطنية مخلصة ومهنية بإدارتها.
2. صيانة دورية للمحطات وشبكات النقل والتوزيع.
3. تطوير الإنتاج عبر محطات جديدة تعمل بالغاز والطاقات المتجددة.
4. تحديث الشبكات وتأهيل البنية التحتية.
5. تأمين الخطوط وحمايتها من السرقة والتخريب.
6. دعم الكفاءات الوطنية من مهندسين وفنيين.
7. تعزيز الرقابة والشفافية في تنفيذ المشاريع وصرف الأموال.
