شيطنة المقاومة ومسخ قياداتها

بقلم/ محمد عبد القادر
ظل المستعمر الأوروبي مدة أربعة قرون يمارس الهيمنة بأشكالها المتعددة والقهر بأساليبه الباطشة والمتغيرة بحسب ظروفه وظروف من يستعمرهم.
هذه حقيقة تاريخية راسخة في كتب التاريخ والمرويات والوقائع الدامغة.
ولأن حالة الاستعمار تستوجب بالضرورة المواجهة بكل أشكالها الدموية والنفسية والإرث الحضاري والثقافي لكل أمة تقع فريسة للاستعمار، ويظل القاسم المشترك في النضال ضد الاستعمار عند الشعوب مواجهة عملية المسخ الثقافي والحضاري والقهر النفسي لترويض الروح المقاومة بعدة أشكال لقهرها وفرض حالة الاستسلام القهري، لذلك تتم هندسة “المسخ” المعنوي لقيادات التحرر، بحيث تعتمد قوى الهيمنة في حروبها النفسية على استراتيجية خبيثة تتجاوز الإخضاع العسكري إلى “الاغتيال المعنوي” لرموز المقاومة، مستهدفةً البنية الواعية للجماهير وسيكولوجيتها الجمعية لتحويل قادة التحرير إلى قوالب مشوهة منبوذة باستخدام سيكولوجية تزييف الوعي.
تفسر سيكولوجية الجماهير تصديق هذه الإشاعات بآلية “التأطير السلبي” وصناعة الفزع؛ حيث يميل العقل الجمعي، تحت وطأة الصدمة والضغط الإعلامي المكثف، إلى تبني السردية الجاهزة إذا غُذِّيَت بانتظام.
يرى المفكر مالك بن نبي أن أزمة المجتمعات المستعْمَرة تكمن في “القابلية للاستعمار”، حيث ينجح المحتل في اختراق النسيج الثقافي والنفسي للشعوب، لتقوم الجماهير بنفسها ــ دون وعي ــ بتداول إشاعات المستعمِر وتبني روايته المشوهة عن أبطالها.
من جانبه، يؤكد الطبيب النفسي والفيلسوف فرانتز فانون في كتابه “معذبو الأرض” أن الاستعمار يسعى بنيويًّا ونفسيًّا إلى “نزع الإنسانية” عن السكان الأصليين وقياداتهم، فالمقاوم في عين المستعمر ليس طالب حرية، بل هو “خارج عن القانون” أو “كائن همجي” تجب إبادته لحماية الاستقرار.
تاريخيًّا، تجلت هذه الاستراتيجية الممنهجة في تشويه الرموز العربية؛ فالآلة الإعلامية الإيطالية حاولت مرارًا تصوير شيخ المجاهدين عمر المختار كـ”متمرد هرم” أو فلاق (قاطع طريق) يقود عصابات لزعزعة الاستقرار والتنمية الإيطالية المنشودة في ليبيا.
وفي الجزائر، حاولت الدعاية الفرنسية صياغة سردية حول الأمير عبد القادر الجزائري تختزله في شخصية عاجزة استسلمت في النهاية، محاوِلةً طمس عبقريته العسكرية وسلبه صفة مؤسس الدولة الحديثة.
ولم يسلم الثائر السوري سلطان باشا الأطرش من التشويه الفرنسي الذي حاول تصوير ثورته كتمرد طائفي محلي مجرد من أي أبعاد وطنية جامعة.
ذات الأمر انطبق على الشيخ عز الدين القسام، الذي عملت سلطات الانتداب البريطاني والصهيونية على إظهاره كـ”إرهابي خارج عن القانون” ومحرض على العنف الديني، متجاهلين كفاحه الوطني التحرري. أما في المغرب، فقد بذل التحالف الإسباني-الفرنسي جهودًا إعلامية هائلة لتصوير أسد الريف عبد الكريم الخطابي كـ”متمرد قبلي خارق للولاء السلطاني” والتقليل من شأن انتصاراته العسكرية الفريدة.
وحتى في التاريخ الحديث، تعرض الرئيس جمال عبد الناصر لحملات شيطنة غربية مكثفة سعت إلى تقديمه كـ”ديكتاتور فاشي” مصاب بـ”جنون العظمة”، بهدف ضرب حاضنته الشعبية العربية وتبرير العدوان الثلاثي ضده.
إن “مسخ القيادات” ليس مجرد بروباغندا عابرة، بل هي هندسة اجتماعية واعية تعيد بناء الذاكرة الجمعية عبر قلب الأدوار؛ فيغدو المحتل حاميًا للحضارة والضحية مجرمًا يستحق السحق.
ولا ينكسر هذا الفخ النفسي إلا بتحرر الجماهير من تبعيتها الفكرية، وتفكيك آليات التضليل، والتمسك بالرواية الوطنية الأصيلة لرد الاعتبار لرموز النضال.
