مقالات الرأي

ثقافة الحصانة وغوغائية القرار الدولي


بقلم / ناصر سعيد

لم يعد الجدل الدائر حول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقتصر على سياساته أو مواقفه المثيرة للانتقادات، بل اتسع ليشمل طبيعة العلاقة بين السلطة السياسية ومراكز النفوذ المالي والإعلامي داخل الولايات المتحدة، وحدود المساءلة التي تخضع لها النخب الحاكمة. فمع استمرار إدارته في قيادة السياسة الأمريكية، تتجدد الأسئلة حول مدى قدرة المؤسسات الديمقراطية على محاسبة أصحاب النفوذ، وتأثير شبكات المصالح في صناعة القرار الأمريكي والدولي.
وفي هذا السياق، عادت قضية جيفري إبستين إلى واجهة النقاش العام، ليس باعتبارها دليلًا قانونيًّا على إدانة هذا الطرف أو ذاك، وإنما بوصفها نموذجًا للجدل المتواصل بشأن تداخل النفوذ السياسي والاقتصادي، وما يتركه ذلك من أثر على ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، وعلى الصورة التي تقدمها الولايات المتحدة باعتبارها راعية لقيم الشفافية وسيادة القانون.
لقد كشفت هذه القضية، بما رافقها من وثائق وإفادات وتحقيقات، عن شبكة واسعة من العلاقات التي ضمت شخصيات نافذة من عالم السياسة والاقتصاد والإعلام. ورغم أن الوجود ضمن تلك الدوائر لا يرقى في حد ذاته إلى الإدانة القانونية، فإنها عمَّقت أزمة الثقة في النخب الحاكمة، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة البيئة التي تُصنع فيها القرارات الكبرى.
وتشير استطلاعات الرأي والدراسات الغربية إلى تراجع ملحوظ في ثقة المواطنين بالمؤسسات السياسية، وهي ظاهرة لم تعد مقتصرة على الولايات المتحدة، بل امتدت إلى نظرة كثير من الشعوب للنظام الدولي بأسره، في ظل اتساع الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية.
وفي مناخ كهذا، تتعزز ثقافة الحصانة، فعندما تدرك النخب السياسية أن شبكات النفوذ قادرة على احتواء الأزمات وتخفيف كلفتها السياسية، تتراجع هيبة المساءلة، ويصبح اتخاذ قرارات مثيرة للجدل أو متجاهلة للاعتبارات الأخلاقية أقل كلفة من مراجعة السياسات أو تصحيحها.
وتنعكس هذه الإشكالية بوضوح في التعامل مع الأزمات الدولية، وفي مقدمتها الحرب على غزة، حيث تتواصل الكارثة الإنسانية وسط سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين ودمار واسع للبنية التحتية، في وقت لم يرتق فيه الموقف الغربي إلى مستوى الضغط السياسي الذي ينسجم مع الخطاب المعلن حول حقوق الإنسان والقانون الدولي. وقد عزز هذا التناقض الاتهامات بازدواجية المعايير، وأضعف الصورة الأخلاقية التي سعت القوى الغربية إلى ترسيخها لعقود.
وقد حذر عدد من الباحثين والأكاديميين الغربيين من أن استمرار هذا النهج يسرِّع تآكل الشرعية الأخلاقية للنفوذ الدولي، لأن القوة، مهما بلغت، لا تستطيع أن تحافظ على مشروعيتها إذا فقدت الأساس القيمي الذي تستند إليه.
إن المسألة، في جوهرها، لا تختزل في شخص أو إدارة بعينها، بل تتعلق ببنية سياسية واقتصادية معقدة، تمتلك من أدوات النفوذ والحماية ما يسمح لها بإعادة إنتاج نفسها، حتى بعد الأزمات والفضائح. وداخل هذه البنية يصبح من الممكن فهم كثير من القرارات التي تتقدم فيها حسابات القوة والمصلحة على اعتبارات العدالة والقانون.
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في أخطاء الأفراد، بل في منظومة قادرة على احتواء الأزمات وإعادة إنتاجها دون مراجعة حقيقية. وحين تصبح القوة بديلًا عن العدالة، وتغلب المصالح على المبادئ، تتراجع الثقة في النظام الدولي، وتتسع قناعة الشعوب بأن القانون لا يُطبق بالمعيار نفسه على الجميع. وعندها لا تعود أزمة الشرعية أزمة دولة بعينها، بل أزمة نظام دولي بأكمله.

زر الذهاب إلى الأعلى