مقالات الرأي

من ليون إلى بولس.. الخداع واحد



بقلم/ ناجي إبراهيم

بولس عندما سُئل عن المبادرة قال: لا توجد مبادرة، ولكنها بعض الأفكار نناقشها ونستمع إلى كل الأطراف حولها، ثم سنقدم خارطة لحل الأزمة الليبية.

ما قاله بولس ليس جديدًا، وكان قد طرح سابقًا ومن أطراف إقليمية ودولية، ومن طرف مبعوثي الأمم المتحدة، الذين طرحوا أفكارًا وقدموا خرائط واستمعوا إلى بعض الليبيين اعتقادًا منهم أن هؤلاء هم الذين يمتلكون مفاتيح الحل للأزمة الليبية، التي هي في الواقع أزمة أنتجها التدخل الخارجي الذي لا ينفخ فيها، ويراكم في وسائل استمرارها، ويغذي أطرافًا محلية من أجل الاستمرار فيها وديمومتها. ولم يلقوا بالًا لأصحاب المصلحة الحقيقية في الخروج من الأزمة.

وبولس ربما ما يقدمه من عناوين يلامس رغبات وحاجات شريحة واسعة من الليبيين، وحتى الذين سبقوه قدموا مشاريعهم ومقترحاتهم تحت نفس العناوين التي يطرحها بولس اليوم، وهي الحفاظ على وحدة ليبيا، ويقدم تصورًا لسلطة حاكمة تقوم على المحاصصة المناطقية والجغرافية، ووفق القوى الحاكمة الآن والمسيطرة على السلاح والثروة، والذين سبقوه دعوا إلى نفس المطلب، وهو وحدة ليبيا، وأنتجوا حكومة محاصصة في الصخيرات، ونتج عنها انقسام في الشرق والغرب، طبرق وطرابلس، والبيضاء وطرابلس (حكومة السراج، وحكومة الثني)، وبعدها جاءت مبادرة (ويليامز) ومؤتمر جنيف الذي أنتج أيضًا حكومتين، ولم يستطع توحيد المؤسسة العسكرية، بل أنتج بدعة خمسة زائد خمسة ولجنة الترتيبات الأمنية وغيرها من المسميات التي ترسخ لمفاهيم جديدة تقود إلى الانقسام، بل تثبيته من خلال خط سرت الجفرة، وترسم ملامح انقسام حقيقي، وإن تبدت للعامة أنها ليست كذلك.

كيف نصدقهم أنهم يسعون إلى الحفاظ على وحدة ليبيا وسلوكهم على الأرض لا يترجم تصريحاتهم؟

كيف تسعى إلى الحفاظ على وحدة ليبيا وهي تدعو إلى حكومات محاصصة ترسخ التقسيم القديم، بل وتضيف عليه انقسامات أخرى لم نسمع بها من قبل؟

كيف نستطيع أن نمنع التقسيم في ظل وجود ميليشيات تقسم المدن والشوارع؟

العنوان الآخر الذي يسوقه بولس ومن سبقه توحيد المؤسسات، وكانت مبادرة (ليون) الصخيرات قد دشنت تقسيم السلطة التشريعية من خلال الإبقاء على المؤتمر الوطني تحت مسمى (مجلس الدولة) ليخلق ازدواجية تشريعية ساهمت في تعميق الانقسام المؤسسي، وما زلنا نعاني من انعكاساته وتداعياته حتى اليوم.

تتركون الماء تحت أقدامكم وتتسابقون خلف سراب لن تمسكوا به.

تتركون حلول الداخل ووحدة الصف والقرار الليبي، وتتعلقون بأوهام يقدمها لكم من أدخلكم في هذا المأزق عندما وعدكم، وما وعدكم إلا غرورًا، وقال لكم موعدكم بالحرية والتداول السلمي، وأنتم كنتم السلطة وكنتم أحرارًا، فأدخلكم زريبة العبد وأقفلها عليكم.

ألم تجربوا وعوده؟ ألم تتيقنوا أن هذا الغرب ووكلاءه الإقليميين لا همَّ لهم غير مصالحهم؟

حتى هذه الانتخابات التي تطرح في جميع مراحل أزمتكم، وكلما اشتدت وضاقت حلقاتها لن يعطوها لكم إذا كانت نتائجها غير مضمونة، ولن تأتي بسلطة تحمي وتحفظ مصالحهم.

وكارت القوى القاهرة الذي رفعوه في وجوهكم في عام 2021 لا يزال في جيوبهم، وأياديهم طويلة جدًّا في العبث بالقانون والدستور، كما أضافت إعلانًا آخر في الصخيرات لتشرعن جسمًا منتهيًا، قادرة من جديد أن تحيي أجسامًا كنا نعتقد أنها ماتت.

نعود إلى ما أُعلن مما سُمي مبادرة بولس، رغم أنه قال إنه لا توجد مبادرة مكتوبة، وقال إنها ستكتمل بعد مناقشات وجولات سيجريها مع أطراف محلية وأخرى إقليمية ودولية.

كم هذه الجولات والمناقشات ستأخذ من الزمن؟

وليس هذا فحسب، بل بين أن نتيجة هذه المناقشات ستفضي إلى سلطة انتقالية قد تستمر إلى 2034.

من منا ضامن أن يطول به العمر حتى ينتهي عمر هذه السلطة الانتقالية؟

ثم ربما سيفكر في آلية تنتقل بها السلطة الانتقالية إلى سلطة دائمة وبشرعية انتخابية.

نفس الجري، ونفس التدوير، ونفس المماطلة، والفساد ينهش كل أركان الدولة ويستنزف ثروات الليبيين ومواردهم، والنهب متواصل من الأطراف الخارجية لواردات النفط الليبي.

هل يوجد ليبي واحد يوافق على استمرار هذا العبث؟

زر الذهاب إلى الأعلى