مقالات الرأي

حين تُختزل الاتفاقيات في المصالح.. أين الوطن؟


بقلم / عادل الزياني

تُعد القضايا الوطنية الكبرى مقياسًا حقيقيًّا لمدى نضج الخطاب السياسي وقدرته على تجاوز الحسابات الضيقة نحو فضاء المصلحة العامة، غير أن المتابع للشأن الليبي يلاحظ أن كثيرًا من الاتفاقيات والقرارات المصيرية لا تُناقش وفق ما تحمله من آثار على الدولة والمجتمع، وإنما وفق ما تحققه من مكاسب لهذا الطرف أو ذاك، ولعل الجدل الدائر حول اتفاقية بوليس يُجسد هذه الإشكالية بوضوح؛ فهناك من يؤيدها تأييدًا مطلقًا، وهناك من يرفضها رفضًا قاطعًا، بينما يغيب في كثير من الأحيان النقاش العلمي والقانوني والاقتصادي الذي يجيب عن السؤال الأهم: هل تخدم هذه الاتفاقية الدولة الليبية ومصلحة مواطنيها على المدى القريب والبعيد؟

إن الاتفاقيات الدولية لا تُقاس بالشعارات، ولا تُبنى على الانفعالات أو الولاءات السياسية، وإنما تُقيَّم وفق معايير واضحة، أهمها مدى توافقها مع السيادة الوطنية، وحجم المنافع الاقتصادية والاجتماعية التي تحققها، ومدى انسجامها مع التشريعات الوطنية والقانون الدولي، فضلًا عن قدرتها على حماية مصالح الأجيال القادمة. والمؤسف أن بعض المواقف تُبنى على قاعدة: إذا كانتالاتفاقية تحقق مصلحة لفريقي فهي جيدة، وإذا حققت مصلحة لخصمي فهي مرفوضة، وكأن الوطن أصبح تابعًا للمواقف السياسية، لا أن تكون السياسة في خدمة الوطن.

إن الدول الرشيدة لا تُدار بمنطق الغالب والمغلوب، بل بمنطق المؤسسات والدراسات والخبراء، حيث تُناقش الاتفاقيات في إطار من الشفافية، وتُعرض على المختصين، ويُستمع إلى الرأي والرأي الآخر، بعيدًا عن المزايدات الإعلامية أو الاصطفافات المؤقتة.

إن ليبيا اليوم أحوج ما تكون إلى خطاب وطني يضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار، ويجعل من أي اتفاقية مشروعًا قابلًا للتقييم الموضوعي؛ فإن كانت تحقق الخير للوطن دعمت، وإن كانت تنتقص من حقوقه أو سيادته عُدِّلت أو رُفضت، بصرف النظر عن هوية من وقعها أو من يعارضها.

فالوطن لا ينبغي أن يكون ساحة لتصفية الحسابات السياسية، بل القيمة العليا التي تُوزن بها جميع المواقف. وحين يصبح معيارنا هو ليبيا أولًا، ستتراجع المصالح الضيقة، ويعلو صوت العقل، ويقترب الجميع من بناء دولة المؤسسات والقانون، فالتاريخ لا يحفظ أسماء من انتصروا لأنفسهم، وإنما يخلد من انتصروا لأوطانهم.

زر الذهاب إلى الأعلى