بطلان التعهدات المخالفة للقانون

بقلم/ غادة الصيد
ليس من المبادئ القانونية الجائز تجاوزها أن يعرض على العامل أو الموظف تعهد ينتقص من الحقوق التي قررها القانون أو يستند إلى تشريع فقد سنده بالإلغاء. فإلغاء قانون الخدمة المدينة يترتب عليه زوال آثاره بالنسبة للمراكز القانونية التي يحكمها التشريع اللاحق، ولا يجوز إحياء أحكامه بصورة غير مباشرة من خلال تعهدات أو نماذج إدارية تتعارض مع قانون علاقات العمل النافذ.
ولما كانت القواعد الآمرة في قانون علاقات العمل رقم 12 لسنة 2010 قد وضعت لحماية الطرف الأضعف في علاقة العمل، فإن كل تعهد يخالفها أو يلتفُّ عليها يعد فاقدًا لسنده القانوني، ويقع باطلًا بطلانًا مطلقًا، فلا يعتد به ولا يرتب أثرًا قانونيًّا، ولو صدر بإرادة العامل أو الموظف، فقد تتداول بعض الجهات العامة والخاصة نماذج لتعهدات يوقع عليها الموظفون والعاملون تتضمن الالتزام بالدوام الرسمي.
ويربط اعتماد الموظف أو تثبيته داخل الملاك الوظيفي بالتوقيع على هذا التعهد، كما يتضمن عبارات تفيد تحمل الموظف لجميع الإجراءات القانونية والإدارية والمالية الصارمة في حال مخالفة أي بند من بنوده، وهي عبارات فضفاضة وغير منضبطة قانونًا، فهي لا تسند إلى نص قانوني محدد، لأن الجزاءات التأديبية، لا تستمد من التعهدات الشخصية، وإنما من القانون واللوائح النافذة حصرًا، وهو هنا قانون علاقات العمل رقم (12) لسنة 2010، ولائحته التنفيذية رقم (595). لسنة 2010 م، واللائحة الداخلية لجهة العمل، فالقانون واللوائح هنا لم يجز لجهة العمل استحداث جزاءات جديدة أو التوسع فيها بموجب تعهد فردي، كما أن النموذج يوحى بأن الموظف يقر مسبقًا بمسؤوليته عن مخالفات مستقبلية لم تقع بعد، وهو أمر يتعارض مع المبادئ الأساسية للمساءلة التأديبية، إذ لا يجوز توقيع أي جزاء إلا بعد وقوع المخالفة فعلًا وإجراء التحقيق اللازم بشأنها وتمكين الموظف من معرفة الاتهام الموجه إليه وممارسة حقه الكامل في الدفاع وإبداء أوجه دفوعه قبل اتخاذ أي إجراء تأديبي.
ومن الناحية المهنية والقانونية ينصح بعدم التوقيع علي أي نموذج يتضمن إقرارًا مسبقًا بتحمل جزاءات غير محددة أو غير منصوص عليها قانونًا، أو يتضمن تنازلًا ضمنيًّا عن الضمانات التأديبية المقررة للموظف أو العامل، حيث لا يجوز المعاقبة علي أمر لم يقع قانونًا، وإجراء التحقيق اللازم، وتكمين الموظف أو العامل من الدفاع عن نفسه وفق الإجراءات والضمانات التي كفلها القانون، وعليه فإن هذا النوع من النماذج يحمل العديد من الملاحظات القانونية التي تستوجب مراجعته وإعادة صياغته بما يتفق مع قانون علاقات العمل ولائحته التنفيذية واللوائح التأديبية النافذة.
وفي ظل ما تشهده بيئة العمل في الفترات الأخيرة من تطورات وتحديات، يبقى الاحتكام إلى القانون هو الفيصل بين الحقوق والالتزامات، لا التعهدات التي تفرض خارج حدوده، فحماية العامل ليست منحة من صاحب العمل، وإنما حق كفله القانون، وكل اتفاق أو تعهد ينتقص من هذا الحق لا يغير من الحقيقة القانونية شيئًا.
إن ترسيخ الفهم هو الخطوة الأولى نحو بيئة عمل عادلة يسودها احترام القانون وتعلو فيها قيمة العدالة على أي اعتبار آخر.
