مقالات الرأي

الدولة بوصفها وعيًا لا سلطة



بقلم/ فرج بوخروبة

ليست أخطر اللحظات في حياة الدول تلك التي تتعطل فيها مؤسساتها، ولا حتى تلك التي تتراجع فيها قدرتها على إدارة شؤونها العامة، لأن التاريخ يخبرنا أن كثيرًا من الأمم عرفت فترات ضعف ثم استعادت عافيتها. أما اللحظة التي تستحق أن تُقرأ بعناية فهي تلك التي يتغير فيها تصور المجتمع عن الدولة نفسها. هناك، في المنطقة التي لا تُرى بالعين المجردة، تبدأ التحولات الكبرى، لأن الدول تُبنى مرتين؛ مرة بالحجر والقانون، ومرة في عقول الناس. وإذا تصدعت الصورة الثانية، فإن الأولى تصبح مجرد هياكل تنتظر من يشغلها.

ربما كان الخطأ الأكثر شيوعًا في قراءة التجربة الليبية هو الإصرار على تفسيرها باعتبارها سلسلة من الوقائع السياسية المتلاحقة، بينما هي، في جوهرها، تعبير عن تحولات أعمق مست علاقة الإنسان الليبي بفكرة الدولة. فمنذ سنوات، لم يعد الخلاف يدور فقط حول من يحكم، بل حول السؤال الذي نادرًا ما يُطرح: ما الذي يجعل الحكم ضرورة عامة، لا مجرد أداة يتنافس عليها المختلفون؟ وهذا السؤال، على بساطته، يسبق كل الأسئلة الأخرى، لأنه يتصل بالأساس الذي يمنح السلطة معناها، لا بالوسائل التي توصل إليها.

في المجتمعات المستقرة، لا يفكر المواطن كل صباح في الدولة، لأنها حاضرة في تفاصيل حياته دون أن تفرض نفسها عليه. أما حين تصبح الدولة موضوعًا دائمًا للنقاش والجدل، فإن ذلك يعني أن وظيفتها الطبيعية تعرضت لاهتزاز عميق. فالدولة التي تتحول إلى قضية يومية تفقد شيئًا من بداهتها، ومع فقدان البداهة يبدأ المجتمع في إنتاج بدائل مؤقتة، لا لأنها أفضل، بل لأنها الأقرب إلى سد الفراغ. وهنا تنشأ مفارقة لافتة؛ فكل بديل ينجح في معالجة حاجة آنية، لكنه يرسخ، من حيث لا يشعر، الاعتياد على غياب الأصل.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يعيش أزمة، بل أن يعيد ترتيب حياته على أساس أن الأزمة هي الوضع الطبيعي. عندها يتغير سلم الأولويات، وتتبدل التوقعات، ويصبح الاستثناء قاعدة غير معلنة. وهذه التحولات لا تُقاس بالمؤشرات الاقتصادية أو السياسية وحدها، لأنها تحدث داخل الثقافة العامة، حيث يعيد الإنسان تعريف الممكن والمستحيل، والمقبول والمرفوض، وما كان يعده انحرافًا يصبح مع الزمن جزءًا من المشهد المألوف.

ولذلك فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في كيفية إنهاء مرحلة بعينها، وإنما في كيفية منع المرحلة من التحول إلى ثقافة. فالسياسة تستطيع أن تؤجل أزمة أو تحتوي خلافًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع تشكل عادات جديدة في التفكير والسلوك إذا طال أمد الاضطراب. وكلما تأخر المجتمع في مراجعة هذه التحولات، ازداد الثمن الذي سيدفعه عندما يقرر العودة إلى المسار الطبيعي، لأن استعادة المؤسسات أيسر من استعادة المعاني التي تمنحها شرعيتها.

ولعل ما يغيب عن كثير من النقاشات أن الزمن ليس إطارًا محايدًا للأحداث، بل طرف يشارك في تشكيلها. فالسنوات لا تمر فوق المجتمعات مرورًا صامتًا، وإنما تعيد تشكيل الأجيال، وتبدل طرائق النظر إلى السلطة والعمل والانتماء. والطفل الذي ولد في بيئة يغيب فيها انتظام الدولة، سيبني تصوراته الأولى عن العالم وفق ما يراه، لا وفق ما تقوله الكتب. ومن هنا تصبح معركة المستقبل معركة على الوعي بقدر ما هي معركة على الإدارة، لأن الأجيال ترث التصورات قبل أن ترث المؤسسات.

إن المجتمعات التي استطاعت أن تعبر المنعطفات التاريخية لم تكن تلك التي امتلكت أكبر قدر من الموارد، بل تلك التي أدركت أن إعادة بناء المعنى تسبق إعادة بناء الهياكل. فالمباني يمكن تشييدها في سنوات، أما الثقة فلا تنمو إلا ببطء، واليقين العام لا يُستعاد بقرار، بل بتجربة متراكمة يرى فيها الناس أن ما يُقال يوافق ما يُفعل، وأن القاعدة لا تستثني أحدًا، وأن المستقبل ليس وعدًا يتكرر، بل واقعًا يتشكل أمامهم.

وليس المقصود من ذلك الدعوة إلى مثالية سياسية تتجاهل تعقيدات الواقع، وإنما التنبيه إلى أن اختزال الأزمة في تفاصيلها اليومية يحجب ما هو أكثر تأثيرًا منها. فالحدث السياسي، مهما بدا كبيرًا، يبقى موجة على سطح البحر، أما التيارات العميقة التي تحركه فتتشكل بعيدًا عن الضجيج، داخل الثقافة والتعليم والإدارة واللغة والصورة التي يحملها المجتمع عن نفسه. ومن لا يقرأ هذه الطبقات العميقة، فسيظل يفسر كل موجة باعتبارها بداية جديدة، بينما هي في الحقيقة نتيجة متكررة للأسباب نفسها.

وربما آن الأوان لأن يتحرر التفكير الليبي من إغراء البحث الدائم عن اللحظة الفاصلة التي ستغير كل شيء دفعة واحدة. فالتاريخ لا يتحرك بهذه الطريقة إلا نادرًا. ما يصنع الفارق غالبًا هو تراكم التحولات الصغيرة التي تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان ووطنه، وبين المواطن والشأن العام، وبين الفرد وفكرة المسؤولية المشتركة. وعندما تستقر هذه العلاقة على أسس جديدة، تصبح التحولات السياسية انعكاسًا لها، لا مقدمة عليها.

إن الأمم لا تُقاس بما تعرضت له من انكسارات، بل بما تعلمته منها. أما الانكسار الحقيقي فهو أن تتحول التجربة إلى قدر ذهني، وأن يفقد المجتمع قدرته على تخيل صورة مختلفة عن واقعه. عند هذه النقطة تحديدًا تبدأ الهزيمة قبل أن تقع، ويبدأ التعافي قبل أن يظهر. فكل نهضة عظيمة في التاريخ بدأت حين استعاد مجتمع ما حقه في تخيل نفسه بصورة أخرى، ثم امتلك الإرادة لتحويل ذلك الخيال إلى واقع. وربما لا تحتاج ليبيا، قبل أي شيء آخر، إلى أن تبحث عن طريق جديد بقدر ما تحتاج إلى أن تستعيد قدرتها على تخيل دولة لم تعتدها بعد، لكنها تستطيع أن تبنيها.

زر الذهاب إلى الأعلى