مقالات الرأي

الثروات الطبيعية في ليبيا.. نعمة أم لعنة؟



بقلم/ أبو صاع زامونة

تقع ليبيا في شمال أفريقيا ويحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط ومن الشرق السودان ومصر ومن الغرب الجزائر ومن الجنوب تشاد والنيجر، ومع أنها تحوي أراضي صحراوية شاسعة غير منتجة وغير مستغلة، فإنها تتمتع بالعديد من الموارد والمواد الخام الطبيعية الحيوية والنادرة التي تدعم اقتصاد البلاد، وتشمل النفط والغاز الطبيعي والجبس والحديد والبوتاسيوم والماغنيسيوم والفوسفات والسيلكا والحجر الجيري وغيرها الكثير.

– النفط: تعتبر ليبيا من ضمن الدول التي تمتلك أكبر احتياطي للنفط في العالم، حيث تحتل المرتبة العاشرة عالميًّا، والأولى أفريقيًّا، كما تعد ليبيا مورِّدًا رئيسيًّا للنفط للدول الأوروبية، وتحتل المرتبة الأولى عربيًّا من حيث احتياطي النفط الصخري ذي الجودة العالية.

كانت ليبيا قبل اكتشاف النفط في عام 1959 من أفقر الدول في العالم، قبل أن تصبح من أكبر منتجي النفط، وقد تأثر إنتاج النفط مؤخرًا بسبب الأوضاع السياسية والتوترات التي تمر بها البلاد، ومع كل تلك الصراعات استمر التنقيب عن النفط بشكل بطيء وبمعدل منخفض مقارنة بما تمتلكه البلاد من احتياطي كبير مع وجود بعض الدراسات التي تتبنى تقنيات الاستخراج والتنقيب التي يمكن أن تضيف ما يقدر بـ 775 ألف برميل يوميًّا إلى الإنتاج اليومي الحالي للبلاد.

– الغاز: كانت ليبيا من أوائل مصدري الغاز في العالم عندما بدأ تشغيل مصنع الغاز الطبيعي في عام 1971 حيث تقوم حاليًا بتصدير الغاز بشكل متواصل عبر خطوط الأنابيب الممتدة عبر المتوسط من ليبيا إلى إيطاليا ومن ثم يتم توزيعه إلى الدول الأوروبية، ومن المتوقع أن تؤدي الاكتشافات الأخيرة إلى رفع مستوى الإنتاج إلى 400 مليون قدم مكعب إضافي من الغاز.

– المعادن النادرة: تمتلك ليبيا موارد طبيعية نادرة تدخل في الصناعات الجوية والتكنولوجيا الدقيقة بما في ذلك تكنولوجيا (النانو)، وهذه الموارد تثير اهتمام مراكز البحث العالمية وشركات تصنيع الطائرات المدنية والحربية ووكالات الفضاء الدولية بشكل كبير، ومن بين هذه المواد النادرة العناصر الأرضية (ريز) التي تستخدم في العديد من التطبيقات المتقدمة مثل الإلكترونيات المغناطيسية القوية للبطاريات، والتكنولوجيا (نانو) تلعب دورًا رئيسيًّا في الصناعات الجوية والدفاعية، إضافة إلى (الليثيوم) و (التيتانيوم) الذي يستخدم في صناعة الطائرات بسبب قوته وخفة وزنه، بالإضافة إلى مقاومته العالية للتآكل، علاوة على دخوله في الصناعات الطبية المختلفة.

– اليورانيوم والذهب: بناءً على الدراسات التي أجريت ثبت بما لا يدع مجالًا للشك وجود اليورانيوم في الجنوب الغربي للبلاد، وتحديدًا في منطقة العوينات الغربية بالقرب من الحدود الجزائرية، وتعرف هذه المنطقة بالمثلث الحدودي الذي يربط ليبيا بالجزائر والنيجر، وتؤكد الدراسات وجود كميات كبيرة من اليورانيوم في هذا المثلث، لكن النيجر هي البلد الوحيد الذي يقوم باستخراج هذا المعدن الثمين، ويمكن القول إن فرنسا هي من تقوم باستخراجه، وتحتكر ذلك لمصالحها الخاصة عبر الشركات النووية الفرنسية (أريفا)، وذلك لتشغيل المفاعلات النووية التي تنتج الكهرباء في فرنسا، ومن العوينات الغربية إلى العوينات الشرقية المتاخمة للحدود المصرية السودانية تتواجد كميات كبيرة من الذهب، كما توجد كميات كبيرة منه بجبال تيبستي بالقرب من الحدود الليبية التشادية، وبالكاد تستفيد ليبيا من ثروتها من الذهب لأنها تتعرض باستمرار إلى النهب من قبل العصابات المختلفة التي تقوم بالبحث عن الذهب بوسائل بدائية.

– الحديد: تمتلك ليبيا رواسب ضخمة من خام الحديد في وادي الشاطئ الذي يقع في نطاق مدينة سبها بالجنوب الليبي في فزان وتبلغ احتياطيات البلاد من الحديد الخام نحو 3,5 مليار طن، ويبلغ إنتاج الشركة الليبية للحديد نحو مليون و750 ألف طن سنويًّا، حيث تقوم بتصدير جزء من هذا الإنتاج إلى خارج البلاد، ويشغل المنجم بوادي الشاطئ مساحة 1544 ميلًا مربعًا ويحتوي على ما يصل إلى 5 مليارات طن من أنواع الحديد المختلفة كما تعد رواسب الحديد الخام في البلاد ثالث أكبر رواسب في القارة السمراء، ويعتبر التعديل الشريطي هو طريقة الاستخراج المفضلة، وقد تأثرت العمليات في المنجم بعد سحب الشركات الأمريكية استثماراتها في ثمانينيات القرن الماضي، ومع ذلك فإن الجهود جارية لاستئناف العمليات في المنجم، وعند الوصول إلى مستوى التشغيل الأمثل من المتوقع أن يصل إلى 260 مليون دولار من الإيرادات.

– الجبس: ليبيا لديها 9,2 مليون طن من مادة الجبس، وهي منتشرة وموزعة على ثمانية عشر موقعًا على مستوى البلاد وأبرز هذه الرواسب موجودة في بنغازي والجبل وخليج سرت الغربي، ويعتقد أن رواسب (جفرين) تحتوي على التركيز من الجبس النقي في العالم.

– السيليكا والفوسفات: تمتلك منطقة إدري في جنوب شرق ليبيا ما يقدر بـ 1,8 مليون طن من احتياطيات السيليكا المؤكدة، و1,83 مليون طن من احتياطيات السيليكا المحتملة، ويستخدم رمل السيليكا المستخرج من المنطقة في صناعة العدسات البصرية والألياف الزجاجية والنظارات، كما توجد رواسب كبيرة من الفوسفات، ويمكن العثور على عقيدات معدنية في منطقة توكومي.

– حجر الكلس: تمتلك ليبيا رواسب كبيرة من الحجر الجيري الذي يستخدم في صناعات البناء والإسمنت، وتشمل الرواسب تكوين الهلال بالقرب من قرية رأس الهلال الذي يحتوي على الصخر الزيتي بالإضافة إلى الحجر الجيري الطيني، كما توجد رواسب بالجبل الأخضر في برقة والتي تقع في الجزء الشمالي الشرقي للبلاد، وتتكون رواسب الجبل الأخضر من رواسب بحرية من العصر الطباشيري، وتوجد أيضًا رواسب بحرية من العصر الطباشيري السفلي والجورسي في آبار النفط الاستكشافي.

هذه دراسة مبسطة عما تمتلكه البلاد في ظاهرها وباطنها، وما تم التعريج عليه آنفًا ما هو إلا جزء من الكل، وهو على سبيل المثال لا الحصر، مع التنويه على أن البترول لا يساوي شيئًا أمام الثروات والمعادن النادرة التي تزخر بها هذه الأرض، وكلنا أو جلنا يعلم بأن ليبيا تعيش موجة نهب غير مسبوقة في كل ما ذكرناه ومالم نذكره في هذه الدراسة منذ زهاء العقد ونصف العقد خارج الأطر الرسمية للبلاد، ولا يزال (الحبل على الجرار) إلى أن يتم تجريفها بالكامل، والأمر لن يدوم طويلًا مع كثرة المتكالبين من مختلف الأمصار والدلالين من بني جلدتنا.

ليس بالإمكان أكثر مما كان، ولكن كان من الممكن الاستفادة من هذه الثروات لدعم الاقتصاد المحلي وخلق بدائل للاقتصاد الريعي المعتمد على النفط والغاز والخوض في غمار الاستفادة الكاملة من كافة الموارد الطبيعية التي حبانا الله بها والتي أصبحت لعنة مع حالة الاحتراب والانقسام والتغول التي تمر بها البلاد ولم يستفد منها المواطن البسيط محدود الدخل، بل على العكس من ذلك تمامًا لأنها كانت سببًا في تشويه الاقتصاد المحلي وخلق حالة من التضخم التي لا يستطيع المواطن الكادح مجاراتها، وأسهمت أيما إسهام في تأصيل الفوارق الطبقية بين أبناء الوطن الواحد مع تفشي ظاهرة الترف من المال الحرام بين طبقة السرَّاق والفاسدين عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلى يوم الدين.

زر الذهاب إلى الأعلى