مقالات الرأي

التقلبات السياسية وأهمية التوافق الوطني



بقلم المهدي الفهري

تشهد الساحة السياسية في المرحلة الراهنة حالة من التقلب المستمر تعكس في جوهرها تداخلًا واضحًا بين ما يجري على الأرض من صراعات ومحاور وبين مواقف دولية متغيرة لا تستقر على حال، بل تتبدل وفقًا لحسابات المصالح والظروف وسط تذبذب أسهم في تعميق حالة الشك والقلق، وألقى بظلاله على مسارات الحوار فعطَّل فرص التوافق وأضعف الجهود الرامية إلى تحقيق تهدئة حقيقية ومستدامة، كما أدى إلى غياب الثبات في المواقف داخليًّا وخارجيًّا، ما أربك المشهد العام، وترك فراغًا استغلته عوامل الانقسام والتجاذب، ما أطال أمد الأزمة السياسية والاجتماعية، وفتح الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية وتعقيداتها المتزايدة، وفي ظل هذا الواقع لم تعد الأزمة مجرد خلافات سياسية عابرة، بل تحولت إلى رهانات مؤجلة تهدد بنية الدولة وتماسك المجتمع.

ورغم قتامة المشهد تبقى حقيقة واحدة لا يمكن تجاوزها، وهي أن الوطن لا يُبنى إلا بإرادة أبنائه ولا يُحمى إلا بوحدتهم، فالحاجة اليوم ليست فقط إلى مواقف سياسية، بل إلى مواقف وطنية صادقة تعيد الاعتبار لقيمة الانتماء، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، فالأوطان لا تصمد بالوعود، بل برجال يدركون أن وحدتها ليست خيارًا، بل مسؤولية تاريخية ومصيرية، حيث أثبتت التجارب أن الانزلاق صوب الجهوية والعنصرية والتعصب لا يقود إلا إلى مزيد من التشرذم، ويعيد المجتمعات إلى مراحل من الفرقة والتراجع، ومن هنا فإن مواجهة هذه الظواهر لم يُعد ترفًا فكريًّا، بل ضرورة وطنية للحد من اتساع دائرة النسيج الاجتماعي الممزق ومنعه من التفكك، وأمام قناعات تُقر بأن سيادة الوطن ووحدته الوطنية تمثلان ثوابت لا تقبل المساومة أو التأويل، وهي ليست محل اجتهاد أو مزايدة، بل نتاج تضحيات جسام قدمها الآباء والأجداد ورويت بدماء الشهداء، ومن هذا المنطلق فإن أي طرح سياسي لا ينطلق من هذه الثوابت يظل قاصرًا عن ملامسة جوهر الأزمة وعاجزًا عن إمكانية الوصول إلى حل.

واليوم يقف الوطن أمام مفترق طرق حقيقي يتطلب قدرًا عاليًا من الحكمة السياسية والقدرة على إدارة الخلافات بعقلانية بعيدًا عن منطق الغلبة والإقصاء، كما يتطلب حضور شخصيات وطنية تمتلك الخبرة والقبول قادرة على لعب دور توافقي يجمع ولا يفرق ويؤسس لمسار سياسي قائم على الشراكة لا المغالبة وعبر إطلاق مبادرات جادة للوحدة الوطنية كهدف أسمى وليس بديلًا مؤجلًا، بل أولوية ملحة تفرضها طبيعة المرحلة كمقاربات تنطلق من فهم عميق لتعقيدات المشهد وتستند إلى إرادة حقيقية في تجاوز الأزمات المتراكمة وفتح صفحة جديدة عنوانها التوافق والاستقرار، ويبقى الرهان الحقيقي على وعي الداخل وقدرته على تبني واستعادة زمام مبادرة وطنية تسهم في إعادة التوافق الوطني وبناء جسور للثقة والاستقرار بعيدًا عن الاستسلام لحالة الانقسام أو الارتهان للخارج، فالأوطان التي تملك إرادة النهوض قادرة دائمًا على مواجهة تحدياتها وتجاوز صعوباتها وصناعة مستقبلها بإرادة أبنائها لا بإرادة غيرهم.

زر الذهاب إلى الأعلى