الأمن الوطني الليبي بين الانقسام السياسي والأطماع الخارجية

بقلم/ فرج عيواز
ليبيا كغيرها من دول العالم، لها خصوصياتها التي تميزها عن بقية الدول، سواء الإقليمية أو الدولية، ولا سيما في هذه المرحلة الدقيقة، حيث تتعامل الدول مع الملف الليبي، وفقًا لمصالحها الوطنية، وهذا متعارف عليه في العلاقات الدولية، فلا أحد يحمي أمن أحد، إنما المصالح هي التي تحدد المواقف، فالعلاقات الدولية مبنية على أسس “لا صداقة ولا عداوة تدومان”.
وهناك كيانات عميلة، حريصة على استمرار الانقسام السياسي، لتحقيق مصالحها الذاتية، وليبيا كمراكز تأثير متعددة وشعب واحد، مطلوب منها وحدة الصفوف ووحدة الأهداف معًا، وإن كان هذا استثناء، فالقاعدة تقول بوحدة الهدف، والهدف الأسمى في هذي المرحلة، هو كسر الانقسام السياسي، تحقيقًا لأماني وطموحات الشعب الواحد، فصدى هتافات الجموع المتحمسة والصادقة “ليبيا وحدة وطنية لا شرقية ولا غربية” ليس شعارًا يلهب العزائم، ويجدد الأمل في قلوب الشرفاء، بل انعكاس لإرادة وطنية رافضة لاستمرار الانقسام السياسي، ومحاولات المساس بوحدة البلاد.
وكما هو الحال في جميع الدول، فإن للأمن الوطني عناصر قوة ونقاط ضعف، وما يميز الأمن الوطني الليبي، أن نقاط الضعف فيه ليست بنيوية أساسية، بحيث يصعب معالجتها والتخفيف من آثارها السلبية.
ولعل أبرزها موقع العاصمة طرابلس في أقصى الشمال الغربي، فقد تسبب في حدوث العديد من المشاكل، مثل ضعف السيطرة على الأطراف، وتقديم الخدمات بشكل عادل ومتساوٍ، في كل الحقب التي مرت بها ليبيا، وهذه ترتب عنها مشاكل أخرى أثرت بشكل مباشر على الأمن الوطني، ومع هذا فإن عيب موقع العاصمة يمكن معالجته بأبسط الطرق والتقليل من نتائجه السلبية على الأمن الوطني، وذلك بإنشاء عاصمة إدارية متكاملة قد يكون المكان الأنسب لها هو منطقة الجفرة، وقد كانت هناك محاولة في الحقبة الجماهيرية، لجعل منطقة الجفرة عاصمة إدارية، إلا أنها لم تكن جادة، وكان ينقصها وعي وقناعة المقيمين عليها، فالمكاتب التي تدار منها السياسة ظلت في طرابلس، كمكاتب خلفية، بالإضافة إلى الاستفادة من التقنيات الحديثة في مجال الخدمات، والتقليل من المركزية بإقامة مراكز خدمية في كل المدن، وتطوير شبكة المواصلات واستكمال مشروع السكة الحديدية، ووضع أسس للاستفادة من النقل البحري، وخاصة أن ليبيا بها العديد من الموانئ البحرية على طول الساحل الليبي.
والمساحة الشاسعة لليبيا، على الرغم من أنها ميزة استراتيجية، تمنح ليبيا قوة إضافية، إلا أن موقع العاصمة أدى إلى ضعف الحضور المؤسسي للدولة، في المناطق الحدودية، وخاصة في الجنوب والشرق، وحول المساحة الكبيرة للبلاد إلى عبء أمني واقتصادي وليس عمقًا استراتيجيًّا. ومع ذلك، فالعاصمة طرابلس تعد موروثًا تاريخيًّا لا يمكن التخلي عنه أو تغييره، وإذا كان الاحتلال التركي لم يعان من مشاكل هذا الموقع بحكم سيادته على معظم بلاد المغرب العربي ومصر، ولم يكن يهتم بالإعمار إلا بما يخدم ويسهل مصالحه، فإن طرابلس المستقلة عن الاحتلال العثماني، في عهد الأسرة القرملية قد عانت الكثير من المشاكل التي حدثت بسبب موقع العاصمة، سواء أكان في فزان أم في برقة، التي أدت إلى التمرد على السلطة مما كان أحد أسباب ضعفها وانهيارها، وقد تكرر هذا المشهد في فبراير 2011 إذ فقدت الدولة سيطرتها على الأطراف بدون مقاومة تذكر.
وأما الاعتقاد السائد بأن البحر هو مصدر الخطر الوحيد على ليبيا، فهو اعتقاد خاطئ، فمنذ توقيع معاهدة سايكس بيكو في 1916م، وظهور الدولة الوطنية المحددة على الخارطة، أصبحت حماية الحدود من المرتكزات الوطنية للأمن الوطني.
وقبل ترسيم الحدود السياسية الحديثة، كان الليبيون أكثر حرية في التنقل داخل محيطهم العربي والإفريقي، بحكم الامتداد القبلي والثقافي، وكانوا أشبه بكير الحداد، فعندما يمتلئ فإنه يتمدد في محيطه العربي والإفريقي، لاجئا من الحروب والصراعات القبلية أو هربًا من ظلم السلطات، وحتى من الجفاف وما يتبعه من مجاعات وأوبئة، وأحيانًا للعمل والتجارة، وعندما تنتهي الأزمات يعود إلى وضعه الطبيعي، أما اليوم فهناك حدود ومنافذ وجوازات سفر وتأشيرات دخول وإقامة ودفع رسوم وحتى غرامات.
وإذا كان الانقسام السياسي قد أضعف قدرة الدولة على حماية مصالحها الوطنية، فإن ذلك انعكس أيضًا على طريقة تعاطي دول الجوار مع الملفات ذات الاهتمام المشترك. ففي أوقات الضعف الداخلي تميل الدول إلى طرح قضايا حدودية وتتبنى مواقف متشددة في الدفاع عن مصالحها، وتظهر أطماعها التوسعية المسكوت عنها.
وإعلان مصر عن ترسيم حدودها البحرية من جانب واحد مع ليبيا في 2022م، على حساب المصالح الوطنية الليبية، كما أعيد في تونس إثارة ملف حقل البوري في 2023م، على الرغم من أن مسألة الجرف القاري بين البلدين، قد حسمت منذ ثمانينات القرن الماضي، تؤكد هذه الأمثلة على أن حالة الانقسام السياسي تضعف الدولة بشكل عام وتفتح شهية الأطماع الخارجية. وما يتداول في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية لا يقل خطورة عنما يجري على أرض الواقع، فالتصريحات الصادرة عن المسؤولين والإعلاميين، والباحثين والمثقفين، إلى جانب ما ينشر بشأن وحدة الأراضي الليبية ومستقبلها، ينبغي أن تقرأ بعناية، لما لها من أثر سلبي في تشكيل الرأي العام والتأثير في اتجاهاته. وتظهر التجارب التاريخية أن الحملات الإعلامية والخطابات السياسية كثيرًا ما تسبق التحولات الكبرى أو تمهد لها.
وختامًا يبقى السؤال الأهم، إلى متى يستمر الانقسام السياسي، وتظل الدولة عاجزة عن توحيد قدراتها وحماية مصالحها الوطنية؟
