مقالات الرأي

كارثة تحول الرعاية الصحية لفرز اجتماعي

د.علي المبروك أبوقرين

حين يتحول النظام الصحي من كونه وعدًا بالحياة الصحية إلى آلية للفرز، فإننا لا نكون أمام خلل إداري أو تعثر تقني إنما أمام انحراف خطير وعميق يمس جوهر الفكرة التي قام عليها المجتمع ذاته. فالصحة في أصلها ليست خدمة تُقاس بالتكلفة، ولا امتيازًا يُمنح لمن يملك إنما هي التعبير الأسمى عن قيمة الإنسان في نظر الدولة. وحين تفقد الدولة قدرتها وإرادتها على حماية هذا الحق، فإنها لا تفقد فقط وظيفة من وظائفها وإنما تتخلى عن معناها.

في الدول الريعية الغنية حيث الموارد وفيرة والسكان محدودون، يصبح السؤال أكثر حدة وأكثر إدانة، كيف يمكن لمجتمع يمتلك ما يكفي من الثروة لضمان صحة الجميع أن يعجز أو يرفض توزيعها بعدل؟ هنا لا يعود الفقر تفسيرًا إنما يصبح التفاوت خيارًا، والسياسات انعكاسًا لإرادة غير معلنة تقبل بأن يُترك بعض الناس على هامش الحياة.

إن نظام الفرز الصحي لا يُبنى فجأة، إنه يتسلل تدريجيًا حين تُهمل المستشفيات العامة، وتُترك لتتآكل ليس فقط في جدرانها إنما في روحها. وحين يفقد الطبيب في القطاع العام كرامته المهنية، ويفقد المريض ثقته، تنشأ فجوة لا تُملأ إلا بالسوق. والسوق بطبيعته لا يعترف إلا بمن يستطيع الدفع. وهكذا يتشكل نظام موازي لا يعلن نفسه كبديل لكنه يتحول مع الوقت إلى الأصل، تاركا خلفه نظامًا عامًا هشًا يُستخدم كملاذ أخير لمن لا يملك خيارًا.

في هذه اللحظة يتغير معنى المرض. لم يعد المرض تجربة إنسانية مشتركة إنما اختبارًا طبقيًا. من يمرض؟ الجميع. لكن من يُشخص مبكرًا؟ من يملك!!. من يتلقى علاجًا متقدمًا؟ من يملك!!. من ينجو؟ غالبًا، من يملك!!. وهنا لا يعود الطب علمًا محايدًا إنما يصبح من حيث لا يقصد شريكا في إعادة إنتاج اللامساواة الصحية.

والأخطر من ذلك أن هذا التحول لا يُدرك دائمًا بوصفه انحرافًا إنما يُعاد تعريفه كواقع أو ضرورة أو حتى تطور. يُقال إن القطاع الخاص أكثر كفاءة، وإن الجودة لها ثمن، وإن الدولة لا تستطيع أن تفعل كل شيء. وهي عبارات قد تحمل بعض الحقيقة، لكنها تُستخدم أحيانًا لتبرير انسحاب غير مبرر، ولتطبيع وضع غير إنساني وغير منطقي. فالكفاءة لا تعني الإقصاء، والجودة لا يجب أن تكون حكرًا، والدولة التي لا تستطيع حماية صحة مواطنيها، تفقد أحد أهم أسباب وجودها.

في هذا الوضع لا يكون الإصلاح مجرد تحسين للخدمات إنما استعادة للمعنى. واستعادة لفكرة أن الصحة ليست مجالًا للتربح انما هي ميدانًا للعدالة. وأن المستشفى ليس مشروعًا اقتصاديًا فحسب بل مؤسسة أخلاقية تُقاس قيمتها بقدرتها على احتضان الأضعف قبل الأقوى.

إن تصويب هذا الانحراف يتطلب أكثر من قرارات إدارية ويتطلب إعادة بناء العقد الاجتماعي نفسه. عقد يُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن ليس على أساس الرعاية المشروطة إنما على أساس الحق غير القابل للمساومة. وهذا يعني أن الاستثمار في الصحة لا يُنظر إليه كعبء على الميزانية إنما كاستثمار في الاستقرار وفي الإنتاج وفي المستقبل. كما يتطلب الأمر شجاعة في مواجهة منطق السوق حين يتجاوز حدوده، وتنظيمه بحيث يكون خادمًا للصالح العام وليس بديلاً عنه.

وفي العمق نحن أمام سؤال فلسفي لا يمكن الهروب منه وهو ما قيمة الإنسان؟ هل تُقاس بقدرته على الدفع أم بكونه إنسانًا فقط؟ إذا كان الجواب الأول هو الذي يحكم الواقع، فإننا لا نكون فقط أمام نظام صحي مختل إنما أمام مجتمع يعيد تعريف إنسانيته على أسس مادية بحتة.

لكن ورغم قتامة الصورة فإن الأمل لا يُستمد من الواقع إنما من القدرة على نقده. والوعي بهذا الانحراف هو الخطوة الأولى لتصحيحه. فالمجتمعات لا تنهار فقط حين تفقد مواردها إنما حين تفقد حساسيتها الأخلاقية. وإذا كان هذا الوعي حاضرًا فإن إمكانية التحول تظل قائمة. ولا يكون الهدف مجرد إعادة بناء نظام صحي إنما إعادة بناء فكرة العدالة نفسها داخل هذا النظام. أن يصبح المرض مرة أخرى تجربة تُواجه بالتضامن وليس بالفرز. وأن يعود المستشفى مكانًا يُنقذ فيه الإنسان لأنه إنسان وليس لأنه قادر على الدفع. هنا فقط، يمكن القول إننا لم نُصلح النظام الصحي فحسب إنما استعدنا شيئًا أعمق وهي إنسانيتنا.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى