المنتصر وكتابة التاريخ

بقلم / عبدالكريم الزياني
منذ فجر التاريخ ظل المنتصر هو من يكتب الرواية الرسمية للأحداث. يختار ما يُروى وما يُنسى، ويصوغ الذاكرة الجماعية بما يخدم صورته ومصالحه. غير أن التاريخ، مهما تعرض للتأويل والتزييف، لا يبقى أسيرًا لرواية واحدة إلى الأبد. فهناك دائمًا واقع جديد يفرض نفسه، وحقائق تتكشف، وشعوب تعيد قراءة ماضيها بعين أكثر نقدًا وإنصافًا.
في ليبيا اليوم تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فبعد سنوات طويلة من الانقسام والصراع وتعدد السلطات وتآكل مؤسسات الدولة، لم يعد السؤال من انتصر ومن هزم، بل كيف يمكن إنقاذ ما تبقى من الدولة واستعادة قدرتها على القيام بوظائفها الأساسية. فالمواطن الذي أنهكته الأزمات اليومية لم يعد معنيًا كثيرًا بسجالات الماضي بقدر ما يبحث عن الأمن والاستقرار والخدمات وفرص الحياة الكريمة.
إن المرحلة الانتقالية القصيرة ليست ترفًا سياسيًا ولا مجرد محطة إجرائية بين حكومتين أو مؤسستين، بل هي فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فكلما طالت المراحل الانتقالية تحولت إلى حالة دائمة تستهلك الموارد وتعمق الانقسام وتخلق مصالح جديدة تستفيد من استمرار الفوضى. أما المرحلة الانتقالية المحددة زمنيًا والواضحة الأهداف فتمنح البلاد فرصة لترميم المؤسسات وتوحيدها والتمهيد لانتخابات تفضي إلى شرعية مستقرة.
لقد راكمت ليبيا خلال السنوات الماضية كوارث سياسية واقتصادية وإدارية يصعب تجاوزها بين ليلة وضحاها. لكن البداية الصحيحة تكمن في الاعتراف بحجم الأزمة والاتفاق على أولوية الدولة فوق المصالح الضيقة. فالدول لا تُبنى بالثأر من الماضي ولا بإعادة إنتاج الانقسامات، وإنما ببناء مؤسسات قادرة على خدمة جميع المواطنين دون استثناء.
قد يكتب المنتصر التاريخ، لكن المستقبل لا يكتبه إلا من يملك الشجاعة لإصلاح الواقع. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه ليبيا اليوم.
