مقالات الرأي

اعتقال الفكرة قبل ارتكابها


بقلم / محمد أبو بكر المعداني
استيقظ فنان ذات صباح وفي داخله رغبة صادقة في الإبداع. أراد أن يكتب نصًّا مسرحيًّا، لكنه تردد للحظة؛ فقد بدا له أن زمن المبادرات العفوية قد تراجع أمام زمن الإجراءات والنماذج واللوائح التي يجب المرور عبرها قبل أن ترى الفكرة النور.
فتح نافذته، فتسللت إليه فكرة جديدة؛ جريئة، جميلة، تبحث عن مساحة للحياة. التقطها سريعًا، وأغلق عليها في درج مكتبه خشية أن تضيع، ثم خرج يبحث عن الجهة المختصة التي تمنح تراخيص الأحلام، وتُجيز مرور الأفكار إلى العالم.
وفي الطريق، بدأ يسأل نفسه: هل تحتاج الفكرة إلى شهادة ميلاد؟ وهل يكفي أن تكون جيدة كي تحظى بالدعم والتنفيذ، أم أن عليها أولًا أن تنجح في عبور المتطلبات الإدارية؟
عندما وصل، وجد طابورًا طويلًا من الشعراء والكتَّاب والمخرجين والممثلين والرسامين. الجميع يحمل مشروعًا أو حلمًا أو نصًّا، وينتظر لحظة السماح له بأن يقدمه، على أمل أن يحصل على الموافقة.
في زاوية القاعة وقف شاعر مسن يحمل قصيدة كتبها قبل عقود، فسأله الموظف: هل لديك ما يثبت أن هذا الحزن مرخَّص له بالظهور؟ ومخرج مسرحي، بعد انتظار طويل، طُلب منه تقديم ما يضمن أن الضحكة التي سيصنعها عرضه لن تُساء قراءتها أو تتجاوز حدود المقبول.
أما الرسام، فقيل له إن بعض الألوان قد تحتاج إلى مراجعة إضافية لأن التأويلات المحتملة أكثر من أن تُترك للمصادفة.
ومع مرور الوقت، لم يعد الفنانون يخسرون الوقت فقط، بل بدأت الأفكار نفسها تتساقط في قاعات الانتظار؛ بعضها فقد حماسه، وبعضها فقد توقيته، وبعضها اختار ألا يولد أصلًا.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق النقاش بعيدًا عن الانفعال: أين ينتهي حق الدولة في تنظيم النشاط الثقافي، وأين يبدأ حق الفنان في إنتاج الخيال؟
فلا أحد يجادل في أهمية التنظيم، لأن المؤسسات وجدت لترتيب العمل وضمان الجودة وحماية الحقوق. لكن يبقى الفرق واضحًا بين تنظيم النشاط الفني وبين إخضاع الفكرة ذاتها لمنطق الإجراءات.
الإبداع لا ينمو في الفوضى، لكنه أيضًا لا يزدهر تحت الخوف أو التعقيد المفرط. فالخيال بطبيعته مساحة مفتوحة؛ لا يتحرك بالأختام، ولا يقف طويلًا أمام النوافذ الإدارية.
وفي عالم تتنافس فيه الدول على الاستثمار في الثقافة والصناعات الإبداعية بوصفها قوة ناعمة وموردًا اقتصاديًّا، يبقى السؤال قائمًا: هل المطلوب تنظيم الطريق أمام الفنان.. أم تنظيم الحلم نفسه؟
ذلك هو السؤال.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى