مقالات الرأي

فضيحة بلا اعتذار



بقلم / عفاف الفرجاني

في الدول التي تحترم مؤسساتها، لا يكون الاختراق السيبراني مجرد حادث تقني، بل زلزالًا سياسيًّا وإداريًّا يعيد طرح سؤال المسؤولية قبل سؤال التكنولوجيا. أما في ليبيا، فيبدو أن الكوارث تمر كما تمر نشرات الطقس، حالها حال أخبار الحروب الأهلية، والقتل العبثي، وشبكات الإجرام، وغيرها من الجرائم، لتصبح الفواجع عبارة عن (ترند)، تبدأ بخبر عاجل، ثم صمت، ثم عودة إلى المشهد وكأن شيئًا لم يكن.

من مهازل القدر الليبي، إعلان محافظ مصرف ليبيا المركزي أن البنية التحتية للمصرف تعرضت لهجوم سيبراني من نوع (هجوم فدية)، وأن الهجوم استهدف أنظمة تقنية حساسة، ليس خبرًا عاديًّا. نحن نتحدث عن المؤسسة التي تمثل قلب الاقتصاد الوطني، وحارسة السياسة النقدية، والجهة التي تحفظ الثقة في النظام المالي للدولة. وقد أكد المصرف أنه عزل الأنظمة المتضررة، وفعَّل خطط الطوارئ، وأن التحقيقات ما زالت جارية بالتعاون مع خبراء دوليين، مع عدم وجود مؤشرات حتى الآن على تأثر أرصدة العملاء.

(ليبيا أوبزيرفر)

لكن سؤالي الذي يفرضه المنطق، ليس كيف تمت استعادة الخدمات؟ بل كيف نجح المهاجمون في الوصول إلى هذه المرحلة أصلًا؟

هذا الفعل يحصل في العديد من الدول، ولكن تلاحقه مساءلة قانونية، ويباشر التحقيق الإداري في اللحظة نفسها التي يبدأ فيها التحقيق التقني. أما عندنا، فالشيء مختلف. الأمر لا يتعدى خبرًا مبهمًا دون تفاصيل، فلا استقالة، ولا إعلان عن مساءلة إدارية، ولا اعتذار للرأي العام، وكأن اختراق أخطر مؤسسة مالية في البلاد مجرد عطل في جهاز حاسوب.

المستفز أنه إلى الآن لم تعلن الجهات الرسمية عن تحميل أي مسؤول إداري أو فني المسؤولية. قد يظن القائمون على الحكومة أن الدولة تقاس بقدرتها على إصلاح الخوادم بعد سقوطها، لا بقدرتها على منع سقوطها أصلًا. فالمؤسسات السيادية لا تحتاج فقط إلى جدران سميكة تمنع الرؤية، بل إلى جدران من الكفاءة، والشفافية، والمحاسبة.

في تقديري، المشكلة ليست في أن مصرفًا مركزيًّا تعرض لهجوم سيبراني، فحتى أكبر البنوك المركزية الموجودة في أعتى دول العالم تقدمًا، تتعرض لمحاولات اختراق.

المشكلة الحقيقية هي أن ثقافة تحمل المسؤولية ما زالت غائبة. وعندما يغيب الحساب، يصبح الفشل بلا ثمن، ويتحول الإهمال إلى عادة، وتصبح الدولة كلها هي الضحية.

هذا لو افترضنا حسن النوايا، وإن لم نفترضها، فبقاء المسؤول في ذات المنصب محصنًا، فالمنصب هنا تحميه الأسرار أكثر مما تحميه الإنجازات.

ويبقى سؤالي: ماذا يعرف السيد المسؤول حتى بقي!!!

زر الذهاب إلى الأعلى