مقالات الرأي

حين تتحول الفرجة إلى أداة للهيمنة وهندسة التغييب



بقلم / محمد نبيغ

ما نشهده اليوم في نسخة كأس العالم المقامة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك يتجاوز كونه تعثرًا تنظيميًّا أو أخطاءً فنية عابرة؛ إنه يعكس تحولات عميقة طالت فلسفة الرياضة العالمية نفسها، حيث لم تعد المنافسة الرياضية مجرد مساحة للتلاقي الإنساني والتنافس الشريف، بل أصبحت جزءًا من منظومة دولية تتشابك فيها المصالح السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية.

لقد تحولت كرة القدم من لعبة شعبية إلى صناعة عالمية ضخمة تتجاوز قيمتها مئات المليارات من الدولارات، وأصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة الأكثر تأثيرًا في تشكيل الرأي العام وصناعة الرموز وتوجيه الاهتمامات الجماعية. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة ما يجري في كأس العالم لا ينبغي أن تقتصر على النتائج فوق أرضية الميدان، بل يجب أن تمتد إلى فهم البنية الأوسع التي تدير هذا الحدث العالمي وتوجه مساراته.

أولًا: سقوط الحياد وهندسة الإقصاء، لقد أصبحت مسألة الحياد الرياضي موضع تساؤل متزايد في السنوات الأخيرة، مع تنامي التداخل بين القرارات الرياضية والاعتبارات السياسية. فاستضافة البطولات الكبرى تمنح الدول المضيفة صلاحيات واسعة في ما يتعلق بالدخول إلى أراضيها وإجراءات الأمن والتأشيرات، وهو ما يثير أحيانًا جدلًا حول مدى قدرة المنظومة الرياضية الدولية على ضمان المساواة الكاملة بين جميع المشاركين والجماهير.

ويزداد الجدل عندما تتباين المعايير بين الحالات المختلفة، أو عندما تبدو بعض القرارات أكثر تأثرًا بالاعتبارات السياسية منها بالمبادئ الرياضية. فالمطلوب من المؤسسات الرياضية الدولية أن تحافظ على استقلاليتها، وأن تضمن تكافؤ الفرص بين الجميع، لأن أي شعور بالتمييز أو الانتقائية ينعكس مباشرة على مصداقية المنافسة وعلى ثقة الشعوب في عدالة المنظومة الرياضية العالمية.

ثانيًا: تعدد المتدخلين وتشابك مراكز التأثير: الخطأ الشائع في قراءة المشهد الرياضي العالمي يتمثل في اختزاله في الفيفا أو في الدولة المضيفة فقط، بينما الواقع يكشف عن شبكة واسعة من الفاعلين والمتدخلين الذين يتقاسمون النفوذ والتأثير في صناعة القرار الرياضي الدولي. ففي قلب هذه المنظومة تقف الاتحادات الرياضية الدولية، إلى جانب الحكومات الوطنية، والشركات متعددة الجنسيات، ومؤسسات البث الإعلامي العملاقة، ومنصات التواصل الرقمي، وشركات التسويق الرياضي، وصناديق الاستثمار العالمية.

وقد أدى هذا التشابك إلى نشوء منظومة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات التجارية مع الأهداف السياسية والثقافية. فالحدث الرياضي لم يعد مجرد منافسة بين منتخبات، بل أصبح منصة اقتصادية وإعلامية عالمية تتنافس فيها الدول والشركات على النفوذ والرمزية والصورة الذهنية.

كما تلعب الخوارزميات الرقمية والإعلام الرياضي الحديث دورًا متزايدًا في تحديد ما يتصدر الاهتمام الجماهيري وما يتم تجاهله، الأمر الذي يجعل تشكيل الرأي العام الرياضي عملية أكثر تعقيدًا من مجرد متابعة المباريات والنتائج.

ثالثًا: أفريقيا بين استنزاف المواهب وتحديات السيادة الرياضية: في قلب هذه المنظومة العالمية تبرز القارة الأفريقية باعتبارها أحد أكبر خزانات المواهب الكروية في العالم. غير أن نجاح اللاعبين الأفارقة في البطولات الأوروبية يطرح في الوقت نفسه أسئلة حول قدرة الدول الأفريقية على بناء منظومات رياضية قوية ومستقلة تستثمر هذه الطاقات محليًّا. فلا تزال الفجوة كبيرة بين الإمكانات البشرية الهائلة التي تمتلكها القارة وبين حجم البنية التحتية الرياضية والاستثمارات المحلية الموجهة لتطوير البطولات الوطنية. ويؤدي ذلك إلى استمرار نزيف المواهب نحو الخارج، حيث تتحول المراكز الرياضية الكبرى في أوروبا إلى الوجهة الطبيعية للعديد من اللاعبين الواعدين.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في انتقال اللاعبين بحد ذاته، بل في بناء نموذج تنموي رياضي يسمح للدول الأفريقية بتحويل ثروتها البشرية إلى قوة مؤسسية مستدامة تضمن الاستقلالية والقدرة على المنافسة الدولية.

رابعًا: صناعة الرموز وتوجيه الأولويات: لا يمكن تجاهل الدور المتعاظم الذي تلعبه الصناعة الإعلامية الحديثة في صناعة النجوم الرياضيين وتحويلهم إلى رموز عالمية تتجاوز حدود اللعبة نفسها. فوسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وشركات التسويق الرياضي تمتلك اليوم قدرة هائلة على صناعة الصورة الذهنية وتوجيه الاهتمام الجماهيري نحو شخصيات أو أحداث بعينها. ويؤدي ذلك أحيانًا إلى اختلال في ترتيب الأولويات الرمزية داخل المجتمعات، حيث تحظى الشخصيات الرياضية بحضور إعلامي يفوق بكثير حضور العلماء والمفكرين والمبدعين.

ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الإنجاز الرياضي أو من أهمية الرياضة في حياة الشعوب، بل يطرح سؤالًا مشروعًا حول التوازن المطلوب بين الاحتفاء بالنجاح الرياضي وبين تشجيع الإنجاز العلمي والثقافي والفكري بوصفه أساسًا للتقدم الحضاري.

خامسًا: كرة القدم بين الترفيه والقوة الناعمة: أثبتت العقود الأخيرة أن كرة القدم أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة الأكثر تأثيرًا في العالم. فالدول تستثمر في الرياضة لتحسين صورتها الدولية، والشركات تستثمر فيها لتعزيز حضورها الاقتصادي، والمؤسسات الإعلامية تعتمد عليها كأحد أهم مصادر الجذب الجماهيري.

وبهذا المعنى لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل أصبحت فضاءً تتقاطع فيه السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام. غير أن الاعتراف بهذا الواقع لا ينبغي أن يقود إلى رفض الرياضة أو التقليل من قيمتها الإنسانية، بل إلى المطالبة بإدارة أكثر عدالة وشفافية واستقلالية لهذه المنظومة العالمية.

خاتمة: نحو استعادة التوازن: إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الرياضة العالمية اليوم لا يتمثل في نتائج المباريات أو هوية الأبطال، بل في كيفية الحفاظ على جوهر الرياضة باعتبارها مساحة للتنافس الشريف والتقارب الإنساني بعيدًا عن الإفراط في التسييس أو الاحتكار الاقتصادي أو الهيمنة الإعلامية. فاستعادة التوازن تتطلب إصلاحات مؤسسية تعزز الشفافية والحوكمة الرشيدة داخل الهيئات الرياضية الدولية، كما تتطلب استثمارات أكبر في التعليم والبحث العلمي والثقافة إلى جانب الرياضة، حتى لا تتحول المجتمعات إلى مستهلك للفرجة فقط، بل إلى منتج للمعرفة والقوة الحضارية. وعندما يصبح الهدف بناء الإنسان قبل صناعة المشهد، تستعيد الرياضة رسالتها الأصلية بوصفها أداة للتنمية والتقارب بين الشعوب، لا وسيلة للصراع أو الهيمنة أو توجيه الوعي وفق مصالح القوى الأكثر نفوذًا.

زر الذهاب إلى الأعلى