مقالات الرأي

الفصل الأسود



بقلم / محمد علوش

في كل بلدان العالم تتعاقب الفصول الأربعة، فتتبدل الطبيعة بين ربيع يزهر، وصيف يثمر، وخريف يتهيأ، وشتاء يمطر، أما في فلسطين، فهناك فصل خامس لا تعرفه كتب الجغرافيا ولا المناهج المدرسية، لكنه يهيمن على تفاصيل الحياة منذ عقود، إنه الاحتلال الإسرائيلي؛ الفصل الأطول، والأكثر قسوة، والأشد سوادًا في تاريخ شعب لم يمنح فرصة العيش بحرية وكرامة.

في هذا الفصل الأسود، لا تقاس السنوات بحركة الشمس، بل بعدد الشهداء والأسرى، وبمساحات الأراضي التي تصادر، وبالبيوت التي تهدم، وبالأطفال الذين يكبرون على أصوات الطائرات والحواجز العسكرية، إنه فصل يسرق الزمن قبل أن يسرق المكان، ويجعل من تفاصيل الحياة اليومية معركة مفتوحة من أجل البقاء وصون الكرامة.

الاحتلال ليس مجرد وجود عسكري على الأرض، بل هو منظومة استعمارية إحلالية متكاملة، تقوم على الإقصاء والاقتلاع، وعلى نفي الشعب الفلسطيني من أرضه وروايته وتاريخه ومستقبله، إنه مشروع يستهدف الإنسان قبل الحجر، والذاكرة قبل الجغرافيا، ويحاول إعادة تشكيل الواقع بالقوة، مستندًا إلى تفوق عسكري ودعم سياسي دولي، ومتجاهلًا قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلًا عن أبسط المبادئ الإنسانية.

في فلسطين، لا يحتاج المواطن إلى نشرات الطقس ليعرف ما ينتظره؛ فالحاجز العسكري قد يحوّل صباحه إلى ليل، والمستوطن قد يحرق موسمه الزراعي في لحظات، وجرافات الاحتلال قد تمحو سنوات من الكدّ والعمل خلال ساعات، وهنا يصبح الخوف جزءًا من تفاصيل الحياة، ويغدو الصمود ممارسة يومية تتجاوز الشعارات، ليغدو فعلًا إنسانيًا يعكس التمسك بالحياة والحرية.

ومع ذلك، فإن الاحتلال، مهما طال، يبقى حالة طارئة في التاريخ، بينما يظل الشعب الفلسطيني الحقيقة الثابتة، فقد أثبتت تجارب الشعوب أن جميع أنظمة الاستعمار اعتقدت يومًا أنها باقية، لكنها سقطت عندما اصطدمت بإرادة الشعوب، وما يميز الفلسطيني أنه لم يتعامل مع الصمود بوصفه خيارًا مؤقتًا، بل باعتباره أسلوب حياة، وإعلانًا دائمًا بأن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن الهوية لا تمحى بقوة السلاح.

إن أخطر ما يسعى إليه الاحتلال ليس السيطرة على الأرض فحسب، بل تطبيع وجوده في الوعي العالمي، وتحويل الجريمة اليومية إلى مشهد اعتيادي لا يثير الغضب ولا يستنهض الضمير، لذلك، فإن المعركة ليست عسكرية وحدها، بل هي أيضًا معركة على الرواية، والذاكرة، والوعي، وتعريف العدالة ذاتها، فمن يمتلك القدرة على رواية الحقيقة يمتلك أحد أهم أسلحة الانتصار.

لقد كشفت السنوات الأخيرة حجم الازدواجية التي تحكم النظام الدولي، حيث ترفع شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية عندما تخدم مصالح القوى الكبرى، بينما تهمَّش عندما يتعلق الأمر بحقوق الشعب الفلسطيني، وهنا تتجلى الأزمة الأخلاقية للنظام الدولي المعاصر؛ إذ لا يمكن بناء سلام عادل أو نظام دولي مستقر على أساس الانتقائية في تطبيق القانون، ولا يمكن الحديث عن العدالة في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان وسياسات العقاب الجماعي.

ورغم كل ما يحمله هذا الفصل الأسود من وجع، فإن فلسطين لم تفقد قدرتها على إنجاب الأمل، فكل طفل يولد وهو يحمل اسم مدينة أو قرية، وكل زيتونة تغرس في مواجهة الجرافات، وكل طالب يواصل تعليمه رغم الحصار، وكل أسير يحافظ على كرامته خلف القضبان، يؤكد أن إرادة الحياة أقوى من إرادة القهر، وأن المستقبل لا يكتب بإملاءات المحتل، بل بإصرار أصحاب الأرض وتمسكهم بحقهم المشروع.

سيأتي يوم يعود فيه الاحتلال إلى صفحات التاريخ بوصفه مرحلة سوداء انتهت، كما انتهت من قبله جميع مشاريع الاستعمار والاستيطان، وستستعيد فلسطين فصولها الطبيعية، فيكون الربيع ربيعًا حقيقيًّا لا هدنة مؤقتة، ويغدو الصيف موسم حصاد لا موسم اقتلاع، ويصبح الخريف موعدًا للعطاء لا للهدم، ويأتي الشتاء مطرًا يروي الأرض، لا دموعًا تغسل الوجوه.

وحتى يحين ذلك اليوم، سيواصل الفلسطيني كتابة روايته بدمه وصبره وثباته، مؤمنًا بأن أطول الفصول لا يدوم إلى الأبد، وأن الليل، مهما امتد، لا يستطيع أن يحجب شروق الشمس، وأن فلسطين، التي قاومت كل هذا الظلام، ستظل قادرة على صناعة فجرها.

زر الذهاب إلى الأعلى