احذروا من أصحاب الياقات البيضاء

بقلم/ مبروكة بالتمر
ليس كل من حمل لقب “رجل أعمال” يستحق هذا اللقب، فلقب رجل الأعمال لا يُمنح لمن راكم الثروات أو احتكر الأسواق أو استغل الأزمات، وإنما لمن يوظف رأس المال في مشاريع إنتاجية وتنموية تخلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وتوفر فرص العمل، وتنقل الخبرات، وتسهم في تحقيق التنمية المستدامة.
فرجل الأعمال الحقيقي هو من يبني المصانع، ويقيم المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية، ويستثمر في الإنسان قبل الحجر، ويسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي، ويجعل من نجاحه الشخصي نجاحًا لوطنه. أما من راكم ثروته على حساب معاناة الفقراء، واستنزف المال العام، واحتكر الأسواق، فليس إلا كمن يقتات على دماء الناس.
ولنا في العديد من الدول الشقيقة نماذج مشرِّفة لرجال أعمال ارتبطت أسماؤهم ببناء المدن الصناعية، وإنشاء المصانع، وتوفير آلاف فرص العمل، ودعم الاقتصاد الوطني، فأصبحوا شركاء حقيقيين في نهضة أوطانهم، لا مجرد أصحاب أرصدة مصرفية.
أما في ليبيا، فمن حق المواطن أن يتساءل: أين هي المشاريع الإنتاجية؟ أين هي المصانع؟ أين هو الاكتفاء الذاتي؟ وأين هي فرص العمل للشباب الليبي؟ لماذا تذهب الاعتمادات والثروات إلى جيوب قلة، بينما يعجز المواطن عن توفير قوت يومه؟
إن الاستثمار الحقيقي لا يقوم إلا على احترام القانون، فلا يجوز أن تُمنح العقود أو الامتيازات بالمخالفة للتشريعات الليبية أو بعيدًا عن الشفافية والمنافسة العادلة. فالمشروع الذي يبدأ بمخالفة القانون لا يمكن أن يكون مشروعًا تنمويًّا، بل يتحول إلى وسيلة لاستنزاف المال العام وإضعاف الاقتصاد الوطني. فسيادة القانون ليست عائقًا أمام الاستثمار، بل هي الضمان الحقيقي لنجاحه وحماية حقوق الدولة والمواطن.
والمؤلم جدًّا أن بعض المستفيدين من هذا الواقع هم أنفسهم من يطالبون برفع الدعم عن المحروقات، وكأنهم لا يرون حجم المعاناة التي يعيشها المواطن البسيط، ولا يدركون أن أي زيادة جديدة ستنعكس على أسعار السلع والخدمات كافة، فتزيد الفقراء فقرًا، وتوسع الفجوة بين الأغنياء وبقية أفراد المجتمع.
إن نهضة الأوطان لا تتحقق بالمضاربة والاحتكار، ولا بالصفقات المشبوهة، بل بالإنتاج والاستثمار الحقيقي، وتشغيل الأيدي العاملة الوطنية، وبناء اقتصاد قوي يخدم الجميع لا فئة محدودة.
فلنحذر من أصحاب الياقات البيضاء الذين يتخفون خلف الألقاب والشعارات، فليس كل ثريٍّ رجل أعمال، وليس كل مستثمر شريكًا في بناء الوطن. فالألقاب تُمنح، أما الثقة فتكتسب بالإنجاز. والأفعال وحدها هي المعيار الحقيقي؛ فهي التي تبني الأوطان، وتوفر لقمة العيش، وتصنع مستقبل الأجيال.
