مقالات الرأي

هل نحن أمام نهاية عصر التفوق العسكري المطلق؟ الجزء الثاني



بقلم / عبد الكريم كشكر

في الجزء الأول رأينا كيف كانت الحروب، عبر معظم التاريخ، تدور بين خصوم ينتمون إلى العالم التقني نفسه، قبل أن تؤدي الثورة الصناعية إلى نشوء فجوة تكنولوجية غير مسبوقة جعلت القوة العسكرية ترتبط بالعلم والصناعة والبنية الحضارية. لكن التطورات الأخيرة تطرح سؤالًا جديدًا: هل بدأت هذه الفجوة تتخذ شكلًا مختلفًا؟

في أوكرانيا شاهد العالم طائرات مسيّرة صغيرة نسبيًّا تطارد دبابات ومدافع وسفنًا حربية تكلف ملايين الدولارات. لم تعد المعركة محصورة بين الجيوش الكبرى ومنظوماتها الثقيلة، بل دخل لاعب جديد إلى الميدان: التكنولوجيا الرخيصة نسبيًّا والقابلة للإنتاج بأعداد كبيرة.

وفي غزة وجنوب لبنان برزت معضلة مشابهة. فالتفوق الجوي والاستخباراتي الهائل لم يلغِ قدرة خصوم أقل موارد على فرض تحديات مستمرة واستنزاف خصمهم بوسائل منخفضة الكلفة مقارنة بما يُستخدم للتصدي لها.

أما في المواجهات المباشرة بين إيران وإسرائيل، فقد بدا واضحًا أن الحرب الحديثة لم تعد تُختزل في الطائرات المقاتلة وحدها، بل أصبحت مزيجًا معقدًا من المسيّرات والصواريخ الدقيقة والحرب الإلكترونية والقدرات السيبرانية.

لكن هذه الوقائع لا تعني أن التفوق العسكري التقليدي قد انهار. فلا تزال القوى الكبرى تمتلك قدرات لا تضاهيها أي جهة أخرى في مجالات التصنيع العسكري والفضاء والاستطلاع والذكاء الاصطناعي والقيادة والسيطرة. غير أن السؤال الجديد لم يعد يدور حول وجود التفوق من عدمه، بل حول كلفة تحديه.

لعلنا نشهد للمرة الأولى منذ زمن طويل ظهور أدوات تسمح لخصوم أقل موارد بإلحاق كلفة مرتفعة بخصوم أكثر قوة. وهذه ليست نهاية التفوق العسكري، لكنها قد تكون نهاية بعض أوهامه القديمة.

إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي جيش هو أن يفترض أن شكل الحرب الذي يعرفه اليوم سيبقى ثابتًا غدًا. فالجيوش التي تستعد للحرب الماضية غالبًا ما تخسر الحرب القادمة. والتاريخ مليء بأمثلة قوى كبرى امتلكت من الموارد والخبرات ما جعلها تبدو عصية على التحدي، ثم فوجئت بأن قواعد اللعبة تغيرت فجأة. لكن ربما لا يتعلق الأمر بالحرب وحدها. ففي التاريخ الإنساني كثيرًا ما سارت المعرفة والقوة جنبًا إلى جنب.

عندما كانت المعرفة حكرًا على قلة من الكهنة والعلماء والملوك، كانت القوة أيضًا متركزة في أيدي قلة. وعندما جاءت المطبعة وانتشرت الكتب، لم تتغير الثقافة فقط، بل تغيرت موازين السلطة داخل المجتمعات. لقد أدى انتشار المعرفة إلى انتشار جزء من القوة.

واليوم قد نكون أمام ظاهرة مشابهة. فالمعرفة التقنية تنتشر بسرعة غير مسبوقة، وأدوات البرمجيات والتصميم والمحاكاة وقواعد البيانات العلمية أصبحت متاحة على نطاق لم تعرفه البشرية من قبل. صحيح أن القدرة الصناعية ما زالت أكثر تمركزًا من المعرفة نفسها، لكن الفجوة بين من يعرف ومن لا يعرف لم تعد كما كانت قبل نصف قرن.

ومن هنا قد لا تكون الطائرات المسيّرة هي الحدث الحقيقي، بل مجرد عرض ظاهر لتحول أعمق. فالظاهرة الأهم قد تكون انتقال العالم من عصر كانت فيه القوة مرتبطة أساسًا بالموارد المادية الضخمة، إلى عصر تزداد فيه أهمية المعرفة والشبكات والقدرة على الابتكار السريع.

وربما يمكن النظر إلى التاريخ العسكري الحديث بوصفه ثلاثة عصور متعاقبة: عصر كانت فيه الحروب تُحسم بالإنسان والتنظيم، ثم عصر أصبحت فيه الصناعة والعلم هما المصدر الرئيسي للقوة، ثم عصر جديد تلوح ملامحه في الأفق، تصبح فيه الشبكات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي وسرعة التكيف عوامل لا تقل أهمية عن المصانع والجيوش التقليدية.

لا أحد يملك جوابًا نهائيًّا حول شكل هذا العصر الجديد. لكن المؤكد أن الجيوش التي ستنجح في المستقبل لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الميزانيات فقط، بل تلك التي تفهم التحولات مبكرًا وتتكيف معها بسرعة. فالتاريخ لا يكافئ الأقوى دائمًا، بل يكافئ غالبًا من يدرك أن قواعد اللعبة قد تغيرت قبل الآخرين.

وربما لهذا السبب لا ينبغي النظر إلى أوكرانيا أو غزة أو جنوب لبنان أو المواجهات الإيرانية الإسرائيلية باعتبارها أحداثًا منفصلة. فقد يراها مؤرخ المستقبل بوصفها إشارات مبكرة إلى مرحلة انتقالية كبرى، مرحلة بدأت فيها أسئلة جديدة تُطرح حول طبيعة القوة نفسها بعد قرنين من هيمنة النموذج الصناعي.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الطائرات المسيّرة ستنتصر على الطائرات المقاتلة، أو ما إذا كانت التكنولوجيا الرخيصة ستقضي على التكنولوجيا الباهظة. السؤال الأعمق هو ما إذا كنا نشهد بداية إعادة توزيع جزئية للقوة في عالم أصبحت فيه المعرفة التقنية تنتشر أسرع من أي وقت مضى.

التاريخ لا يقدم لنا إجابات جاهزة، لكنه يقدم لنا تحذيرًا دائمًا: كل تفوق يبدو مطلقًا في لحظة ما يحمل في داخله بذور التحدي الذي قد يقوضه. ليس لأن التفوق يختفي، بل لأن العالم من حوله لا يتوقف عن التغير.

زر الذهاب إلى الأعلى