كأس العالم بين الرياضة والسياسة

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري
العالم يتابع منافسات كأس العالم التي تُقام في ثلاث دول، تتقدمها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، في مشهد غير مسبوق لم تعهده هذه البطولة من قبل. ففي خضم هذا الحدث الرياضي العالمي، تفرض الإدارة الأمريكية سياسات تُوصف بالمتشددة، في وقت تخوض فيه حروبًا خارج حدودها، وهو ما انعكس على التعامل مع بعض المنتخبات، وعلى رأسها المنتخب الإيراني، بأسلوب وُصف بالتجبر والغرور، بل وحتى بالعداء، في ظل التوترات السياسية القائمة. وقد وُجهت انتقادات إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، متهمةً إياه بتطويع هذه الدورة لأغراض سياسية، أكثر من كونها مناسبة رياضية تهدف إلى التقارب بين الشعوب بدلًا من تفريقها.
وفي المقابل، يتجه الشارع العربي نحو دعم الفريق الوحيد الذي استطاع الصمود حتى الآن، في ظل إخفاقات عدد من المنتخبات العربية، مثل قطر والأردن وتونس، حيث برز المنتخب المغربي في صدارة الإعجاب والتأييد. وقد تحولت الأنظار، عربيًّا وعالميًّا، إلى هذا الفريق الذي أثبت قدرته ليس فقط على الصمود أمام الفرق الكبرى، بل على تقديم أداء عنيد وقوي وشرس، يعكس إتقانًا عاليًا للعبة.
ولم يأتِ هذا النجاح من فراغ، بل هو نتيجة مسار طويل من العمل والتخطيط، حيث بلغ المنتخب المغربي الأدوار النهائية في أكثر من مناسبة، خاصة في كأس إفريقيا، وأصبح منافسًا دائمًا على الصدارة. وقد تحولت كرة القدم في المغرب إلى مشروع وطني قائم على تطوير البنية التحتية، من ملاعب ومراكز تدريب، ما أسهم في إنتاج لاعبين متميزين تتنافس عليهم الأندية الأوروبية والخليجية، وأصبحت سوق اللاعبين المغاربة من بين الأغلى عالميًّا. ويعكس هذا التميز الرياضي تحولًا أوسع شهدته المغرب خلال العشرين سنة الماضية، حيث حققت تقدمًا اقتصاديًّا وصناعيًّا ملحوظًا، وأصبحت بوابة مهمة للتبادل مع أوروبا. فقد شهدت البلاد تطورًا كبيرًا في شبكات الطرق السريعة، وخطوط السكك الحديدية الحديثة، إضافة إلى جذب كبرى الشركات الصناعية الأوروبية للاستثمار والتوطين داخل المغرب. كما برزت المغرب في صناعات متقدمة، مثل مكونات الطائرات وصناعة السيارات، وأصبحت تنافس دولًا أوروبية في هذا المجال. ويعكس هذا التحول نجاحًا في مجالات الطاقة والصناعة والبنية التحتية، ما جعل المغرب مركزًا لوجستيًّا مهمًّا يربط بين أوروبا وإفريقيا، ووجهة جاذبة للاستثمارات الأجنبية، بفضل الاستقرار وتوفر اليد العاملة المؤهلة.
وقد انتقل الاقتصاد المغربي من الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام إلى اقتصاد متنوع ومنفتح على السوق العالمية، ليصبح من أكبر اقتصادات إفريقيا من حيث الحجم والتنوع. كما يلعب قطاع السياحة دورًا مهمًّا في دعم العملة الصعبة، إلى جانب تطوير الموانئ ووسائل النقل وتقديم حوافز للاستثمار. ورغم هذا التقدم، لا تزال هناك تحديات قائمة، مثل البطالة، وضعف مخرجات التعليم، وأزمات الشباب الباحث عن فرص العمل، خاصة من الخريجين. ومع ذلك، فإن الاهتمام بالرياضة والأنشطة الشبابية يُعد أحد أدوات التوازن المجتمعي، ويعكس رؤية الدولة في الاستثمار في الإنسان. وفي المقابل، نشعر نحن الليبيين بحجم المأساة التي تمر بها بلادنا، في ظل أوضاع صعبة ساهم في تعقيدها ارتباط بعض الأطراف بالخارج، وما ترتب على ذلك من تبعية وصراعات أعاقت بناء الدولة. ولا يزال هذا الواقع يحول دون قيام دولة ليبية حرة ومستقلة، قادرة على بناء قدرات شعبها، وصون سيادتها، وضمان الحرية والاستقرار لمواطنيها.
ي
