صوت المسرح أقوى من أي قيود

بقلم/ يوسف امحمد الشريف
أثار بيان صادر عن الهيئة العامة للمسرح والفنون بالحكومة الليبية، جدلًا واسعًا في الأوساط الثقافية والفنية، لما حمله من إشارات واضحة إلى تقييد حرية الفنانين والممثلين، وفرض قيود على مساحتهم الطبيعية في التعبير والإبداع. هذا البيان، الذي جاء في وقت يحتاج فيه المجتمع الليبي إلى تعزيز قيم الحرية والانفتاح، يعكس أزمة عميقة في فهم دور الفن كأداة للتنوير وبناء الوعي الجمعي.
الفنان ليس مجرد مؤدٍ أو ناقل للترفيه، بل هو حامل لرسالة اجتماعية وثقافية، يسعى من خلالها إلى كشف الحقائق، وتحريك الضمير الجمعي، وإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والواقع. حين يُحرم الفنان من حرية التعبير، فإن المجتمع بأسره يُحرم من صوت نقدي ضروري، ومن نافذة تُطل على المستقبل. إن تقييد الفن يعني تقييد الفكر، وتقييد الفكر يعني إضعاف قدرة المجتمع على مواجهة تحدياته.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن المجتمعات التي تُضيّق على فنانيها ومثقفيها، هي مجتمعات تُغلق أبواب الحوار وتفتح أبواب الجمود. ليبيا، التي تمر بمرحلة انتقالية مليئة بالتحديات، لا يمكنها أن تبني سلامًا أو تنمية مستدامة دون أن تمنح فنانيها الحرية الكاملة في التعبير. فالمسرح، السينما، الموسيقى، والفنون التشكيلية ليست مجرد أدوات ترفيه، بل هي منصات للتفكير النقدي، ولإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
إننا نقف اليوم في صف واحد مع الفنانين والممثلين ونقابة الفنانين، ونؤكد أن التضامن معهم ليس مجرد موقف عاطفي، بل هو موقف وطني وأخلاقي. الدفاع عن حرية الفنان هو دفاع عن حرية المجتمع بأسره، لأن الفن يعكس وجدان الناس، ويترجم آمالهم وآلامهم، ويمنحهم القدرة على الحلم بمستقبل أفضل.
البيان الذي صدر من الهيئة العامة للمسرح والفنون يجب أن يُقرأ بوعي نقدي، وأن يُواجه بموقف جماعي يرفض أي محاولة لتكميم الأفواه أو تقييد الإبداع. فالمجتمع الليبي بحاجة إلى أصوات حرة، إلى مسرح يُعبر عن الواقع، إلى سينما تُوثق اللحظة، وإلى فنون تُعيد صياغة الهوية الوطنية بعيدًا عن الانقسام والتهميش.
إن التضامن مع الفنانين اليوم هو تضامن مع الحرية، ومع المستقبل، ومع الأجيال القادمة التي تستحق أن تنشأ في بيئة تحتفي بالإبداع لا تقمعه. وإذا كان الفن مرآة المجتمع، فإن كسر هذه المرآة يعني أن المجتمع يفقد القدرة على رؤية نفسه، ويظل أسيرًا لأزماته دون وعي أو نقد.
ليبيا لن تنهض إلا بفنانيها، ولن تتماسك إلا بثقافتها، ولن تبني سلامًا إلا إذا احترمت حرية التعبير كحق أصيل لا يُمس. ومن هنا، فإن موقفنا الواضح هو الوقوف إلى جانب الفنانين، والدفاع عن حقهم في التعبير، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من معركة الحرية والكرامة الإنسانية في وطن يحتاج إلى كل صوت صادق، وكل كلمة حرة، وكل إبداع يضيء الطريق نحو العدالة والتنمية.
