البدو ينصهرون في بوتقة الحضر

بقلم / أبو صاع زامونة
الصراع بين البدو والحضر صراع أزلي يتغير بتغير الظروف متخذًا نمطًا مغايرًا وأسلوبًا جديدًا، مع الاحتفاظ بنفس الأدوات. ففي الماضي كان صراعًا صامتًا وكانت الغلبة دائمًا للبدو، مع عدم استعدائهم للحضر بالمطلق، ولكن الحضر كانت ولا تزال عقدتهم من البدو الذين يشكلون السواد الأعظم للأمة الليبية. وكان جمر خيانتهم يستعر تحت الرماد، وتلك العقد تراكمت وتوارثتها الأجيال مع الجهل بخلفياتها وأسبابها ومسبباتها، ولكنها أصبحت موروثًا ونهجًا لا يستقيم العيش أو التعايش بدونه. هذا فيما مضى عندما كان المناخ السائد يغلب عليه طابع البداوة، وكانت هناك ضوابط لكبح جماح الغزو الحضري وتحصين العقول من الأفكار والعادات الدخيلة التي لا تمت إلى العرق البدوي بأي صلة.
عندما كان البدو أو أبناء القبائل في أوج قوتهم السلطوية والعشائرية لم يسيئوا لأحد من أبناء الحضر رغم درايتهم بما يضمرونه لهم ويقينهم الجازم بأنهم يتربصون بهم ويعدون العدة المرة تلو الأخرى للنيل منهم، ولكن محاولاتهم دائمًا ما كانت تبوء بالفشل. ومع كل ذلك لم تكن هناك مواجهات بالمعنى الحقيقي، فجلها كانت تحدث على استحياء، وذلك لانعدام الوسائل والأدوات لديهم، علاوة على جهلهم بالتركيبة أو التوليفة القبلية آنذاك. ومنذ قرابة العقد ونصف العقد طفت على السطح وبقوة كل تلك التراكمات التي يولدها ويغذيها الحقد الدفين والبغض والكراهية والدونية، ممتطين نزعة الانتقام بعد ظفرهم بالوسائل والأدوات التي تحقق مآربهم وتروي نهمهم للنيل من البدو الرعاع على حد وصفهم.
ولم يدخروا جهدًا في إيذاء أبناء القبائل بشتى الوسائل النفسية والجسدية، وانتقموا منهم أيما انتقام، فقد كسروا شوكتهم وجردوهم من المبادئ والقيم والعادات والتقاليد التي كانت تسكنهم ويسكنونها، ونجحوا في تفكيك المنظومة القبلية من خلال اجتياح العقول وانتزاع الهوية والفطرة السليمة وتشويهها، والتي كنا نظنها في غفلة منا، إنها الدرع الحصين والحبل المتين الذي تنوء أعتى القوى من اختراقه. ولكن تصاريف القدر كان لها رأي آخر، فقد أزيحت الغشاوة عن أعيننا، ووجدنا أنفسنا نقف على أرضية هشة وصرح مهترئ متهالك، جدرانه النفاق والكذب والدجل، وأعمدته أسست على البراغماتية المغلفة بالمصطلحات الوطنية الزائفة التي سقطت أقنعتها بسرعة الضوء.
وانسلخت الجلود عن لحومها، وتنصلت الجموع من مراجعها، ونكثت العهود وأخلفت الوعود، وتنكرت للشاهد والمشهود، وانساقت مع جلاديها كما تساق الخراف إلى المقصلة بكامل إرادتها، وقد أوغل سفاحوها في إراقة دمائها وإفراغها من محتواها وسحلها من هويتها وكينونتها وديمومتها. وانصهر البدو في بوتقة الحضر، ونسوا وتناسوا عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم وموروثاتهم بكل ما فيها، وخلعوا عنهم عباءة العروبة والفخر والإباء والصدق والأمانة والرجولة والنخوة والغيرة والحياء، ولبسوا ثوب المهانة والذلة والفسق والفجور والعري، وأخذوا يتشبهون بمن لا أصل لهم من أبناء الغوازي والمومسات، وتجردوا من هويتهم وأضاعوها، فصاروا يبحثون عن هوية يلتحفون بلحافها ويسترون بها عورتهم بعد أن ضلوا طريقهم وفقدوا بوصلتهم في أزقة الحضر، ولم يبق لهم أدنى أثر.
