رحلة ليبيا مع الصحة عبر التاريخ

في مسار الأمم تُقاس الحضارات بما شيدته من عمران وأرسته من نظم تحفظ حياة الإنسان وكرامته. والطب بوصفه أسمى تجليات الرحمة المنظمة كان دائمًا مرآة لوعي المجتمعات بذاتها وحدود تقدمها وعمق إنسانيتها.
وليبيا هذه الأرض التي توسطت طرق الحضارات لم تكن يومًا خارج سياق التاريخ الطبي إنها كانت في قلبه. فمنذ العهود الفينيقية حيث ازدهرت المدن الساحلية مثل صبراتة ولبدة وأويا، عرفت البلاد أشكالًا أولية من الممارسة الطبية المرتبطة بالتجارة البحرية وتبادل المعارف.
ثم جاءت الحقبة اليونانية خاصة في برقة، حيث تأثرت بالمدارس الطبية الإغريقية، وبرزت ممارسات قائمة على الملاحظة والتجربة، لا سيما في ظل الإرث العلمي الذي ارتبط بمدارس قورينا.
ومع العهد الروماني بلغت الممارسة الطبية مستوى أكثر تنظيمًا، حيث أُنشئت مرافق تُشبه المستشفيات البدائية، وظهرت أنظمة للصحة العامة، خاصة في المدن الكبرى، مدعومة بشبكات المياه والحمامات العامة، وهو ما يعكس فهمًا متقدمًا نسبيًا للصحة البيئية والوقاية. غير أن هذا المسار لم يستمر على وتيرته. فمع دخول العصور اللاحقة، وخاصة خلال الحقبة العثمانية، شهدت البلاد تراجعًا حادًا في التنظيم الصحي.
لم تكن هناك دولة بمفهومها المؤسسي الحديث، ولا نظام صحي قائم على التخطيط أو التخصص. واعتمد السكان عبر قرون طويلة على الطب التقليدي والموروثات الشعبية التي رغم ما تحمله من حكمة تراكمية، لم تكن قادرة على مواجهة الأوبئة أو تقديم رعاية صحية شاملة. في تلك الفترة، ظهرت بعض المحاولات المحدودة عبر الإرساليات الأجنبية، التي أقامت خدمات صحية متواضعة في مناطق ساحلية، كما برزت إجراءات بدائية للعزل والحجر الصحي في أزمنة تفشي الأمراض.
لكنها في مجملها لم تُشكل نظامًا صحيًا حقيقيًا إنما ظلت استجابات جزئية وموسمية وغير مستدامة. ومع الاستعمار الإيطالي بدأت ملامح نظام صحي أكثر تنظيمًا في الظهور لكنه كان موجهًا بالدرجة الأولى لخدمة المستوطنين مع استفادة محدودة للسكان المحليين.
ومع ذلك أُنشئت بعض المرافق الصحية وبدأت مفاهيم الإدارة الصحية الحديثة بالتسلل، ولو بشكل غير عادل أو متوازن. ثم جاءت مرحلة الاستقلال، لتفتح باب الأمل أمام بناء دولة حديثة، وكان القطاع الصحي أحد أعمدتها.
ومع اكتشاف النفط، وتحديدًا منذ سبعينات القرن الماضي، شهدت ليبيا طفرة كبيرة في البنية التحتية الصحية. أُنشئت المستشفيات وتوسعت خدمات الرعاية الأولية، واستُجلبت الكفاءات الطبية من مختلف دول العالم، وبدأت تتشكل ملامح نظام صحي واعد، قائم على الإتاحة والانتشار. لكن وكما يحدث في كثير من التجارب التي لم تُحصن بالحوكمة، وبدأ التراجع يتسلل تدريجيًا.
لم يكن الانهيار مفاجئًا، كان نتيجة تراكمات من ضعف في الإدارة وغياب في التخطيط وتآكل في التعليم الطبي، وخلل في منظومة القيم المهنية. ومع مرور الوقت، تحول النظام الصحي من مشروع دولة إلى عبء عليها.
واليوم تقف ليبيا أمام مشهد صحي معقد وأمراض في تزايد وخدمات صحية متراجعة أو شبه منعدمة، واعتماد متنام على السوق الصحي المنفلت، ولجوء واسع للعلاج في الخارج. وبينما يشهد العالم ثورة غير مسبوقة في الطب من الذكاء الاصطناعي إلى الطب الشخصي، إلى الرعاية التنبؤية تجد ليبيا نفسها خارج هذا المسار، لا لغياب الموارد إنما لغياب الرؤية والإدارة.
إن الأزمة الصحية في ليبيا ليست أزمة إمكانيات إنما أزمة إرادة، وليست نقصًا في المال إنما في المعنى، فالدول لا تُبنى فقط بما تملك انما بما تُحسن إدارته.
أما المستقبل فليس قدرًا يُنتظر إنه قرار يُتخذ. وإذا أرادت ليبيا أن تستعيد مكانتها فعليها أن تعيد تعريف الصحة ليست كخدمة إنما كمنظومة سيادية تبدأ من التعليم وتمر بالتشريع وتنتهي بالمساءلة.
نظام صحي حديث لا يمكن أن يقوم دون جامعات طبية حقيقية، وتدريب سريري صارم وحوكمة شفافة وتكامل رقمي واستثمار في الإنسان قبل الحجر.
إن ما تعيشه ليبيا اليوم ليس مجرد تراجع في الخدمات الصحية إنما انهيار في مفهوم الصحة ذاته، وما يُدار الآن في كثير من جوانبه ليس نظامًا صحيًا إنه سوقٌ مفتوح، تُختزل فيه حياة الناس إلى أرقام، وتُباع فيه الخدمات بلا معايير، وتُمارس فيه المهنة بلا ضوابط.
إن الاستمرار في هذا المسار ليس حيادًا إنما تواطؤ مع التدهور. والقبول بهذا الواقع ليس واقعية إنه استسلام.
في عالم يتقدم بسرعة الضوء لا مكان للدول التي تتردد في إصلاح أنظمتها الصحية، فالصحة لم تعد قطاعًا خدميًا هي ركيزة الأمن القومي ومؤشر السيادة وميزان العدالة.
إما أن تُبنى منظومة صحية حقيقية وحديثة وعادلة وقائمة على العلم والحوكمة أو يُترك المجال للفوضى لتُعيد تعريف الحياة والموت.
ولن يكون هناك مستقبل لدولة لا تملك نظامًا صحيًا يحميها.
د.علي المبروك أبوقرين
