الأقاليم التاريخية في ليبيا.. قراءة قانونية وتاريخية في مواجهة دعوات التقسيم

بقلم/ المستشار عبدالسلام مهاجر قريره
كلمات مقتضبة حول ما يُسمى بالأقاليم التاريخية لليبيا، وما استجد من دعوات إلى إنشاء أقاليم جديدة تهدد الوحدة الوطنية جغرافيًا وديمغرافيًا
المقدمة:
يُستخلص من المصادر التاريخية أن اسم ليبيا ظهر في التاريخ القديم للدلالة على المناطق الواقعة غرب نهر النيل في شمال أفريقيا.
وتعود تسمية ليبيا إلى النصوص والنقوش المصرية القديمة المكتوبة بالهيروغليفية منذ عهد الأسرة التاسعة عشرة، خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد، حيث أشارت تلك النصوص إلى القبائل المعروفة باسم “الليبو” التي استوطنت المناطق الواقعة غرب نهر النيل، والتي اشتُق منها اسم ليبيا.
ومع مرور الزمن استخدم الإغريق والرومان تسمية ليبيا للدلالة على أجزاء واسعة من شمال أفريقيا، إلى أن استقر استخدامها للدلالة على الدولة الليبية الحديثة.
أولاً: من حيث التسميات التاريخية لما عُرف بالأقاليم الثلاثة
تشير المصادر التاريخية إلى أن تسميات ما عُرف بالأقاليم الثلاثة تعود إلى حقب زمنية مختلفة.
فإقليم برقة اشتُق اسمه من مدينة “باركا” القديمة، وهي إحدى المدن الحضارية التي أسسها الإغريق في شرق ليبيا، والتي تتمثل اليوم في مناطق المرج وشحات وسوسة وتوكرة وبنغازي.
كما عُرف الإقليم في العصور الكلاسيكية باسم “سيرينايكا”، ثم استُخدم اسم برقة في العصور العربية الإسلامية منذ عام 644م.
أما إقليم طرابلس، فاسمه مشتق من الكلمة الإغريقية “تريبوليس” التي تعني “المدن الثلاث”، في إشارة إلى المدن الحضارية التي أسسها الفينيقيون في الغرب الليبي، وهي لبدة وطرابلس وصبراتة.
وفي العهد العثماني عُرف الإقليم باسم “إيالة طرابلس الغرب” تمييزًا له عن طرابلس الشام.
أما إقليم فزان، فتُرجع بعض المصادر تسميته إلى العصور الرومانية والبيزنطية، حيث عُرفت المنطقة باسم “فاسانيا” نسبة إلى قبائل الفزانت أو الجرمنت التي استوطنت جنوب ليبيا قديمًا.
ثانيًا: وحدة الأقاليم الثلاثة واندثار تسميتها الإدارية
في عام 1934م أُطلق اسم ليبيا رسميًا على الأقاليم الثلاثة ككيان سياسي وإداري موحد خلال فترة الاحتلال الإيطالي، وبذلك تراجعت التسميات الإقليمية التقليدية لصالح اسم ليبيا الموحد، التي أُطلق عليها آنذاك “الشاطئ الرابع لإيطاليا”.
فمن حيث برقة، فقد عُرفت خلال العهد العثماني بولاية برقة، ثم تحولت إلى متصرفية. وخلال فترة الاحتلال الإيطالي أُطلق على جزء من جنوبها اسم “الإمارة”، وشمل ذلك مناطق أجدابيا وجالو وأوجلة والكفرة والجغبوب، وتولى السيد محمد إدريس السنوسي إمارتها.
وجاء ذلك بموجب اتفاقيات عدة، أبرزها:
اتفاقية الزويتينة عام 1916م.
اتفاقية عكرمة في أبريل 1917م، والتي قُسم بموجبها الإقليم إلى قسمين؛ شمالي خاضع للسلطة الإيطالية، وجنوبي خاضع للإمارة تحت إشراف إيطالي.
اتفاقية الرجمة في أكتوبر 1920م المعدلة لاتفاقية عكرمة.
وبعد الاحتلال البريطاني لبرقة نُصّب السيد محمد إدريس السنوسي أميرًا على برقة كاملة، وظلت تعرف بإمارة برقة حتى قيام المملكة الليبية المتحدة، حيث أصبحت ولاية برقة.
أما طرابلس، فقد شهدت قيام الجمهورية الطرابلسية عام 1918م، التي مثلت تجربة حكم ذاتي انتهت عام 1922م مع صعود الحكم الفاشستي الإيطالي، ثم أصبحت ولاية طرابلس خلال الاحتلال الإيطالي، واستمر هذا المسمى مع قيام المملكة الليبية المتحدة.
أما فزان، فقد شهدت قيام دولتين تاريخيتين بارزتين:
دولة بني خطاب التي تأسست عام 919م واتخذت زويلة عاصمة لها.
سلطنة أولاد محمد التي تأسست عام 1550م واتخذت مرزق عاصمة لها.
وفي العهد العثماني الثاني عُرفت المنطقة باسم “متصرفية فزان”، ثم خضعت للاحتلال الفرنسي إلى حين قيام المملكة الليبية المتحدة عام 1952م، حيث أصبحت ولاية فزان.
ويتضح من ذلك أن ما يُعرف اصطلاحًا بالأقاليم التاريخية لم يعد قائمًا من الناحية الإدارية منذ عقود طويلة، وأن التنظيم الإداري الرسمي تطور من الأقاليم إلى الولايات ثم إلى وحدات إدارية أخرى وفقًا لمقتضيات كل مرحلة.
ثالثًا: بشأن الدعوات إلى استحداث إقليم رابع في ليبيا
بغض النظر عن التنظيمات الإدارية التي شهدتها ليبيا عبر مراحلها التاريخية المختلفة، فإن الفقه الدستوري يقرر أن قيام الدولة يستند إلى ثلاثة أركان أساسية:
الأول: الإقليم، وهو النطاق الجغرافي الذي تمارس الدولة سيادتها عليه.
الثاني: الشعب، وهو الجماعة البشرية التي تشكل مجتمع الدولة.
الثالث: السلطة، وهي الجهة التي تتولى إدارة شؤون الدولة وتنظيم العلاقة بين مؤسساتها وضمان الحقوق والحريات.
وبناءً على ذلك فإن الإقليم، بمفهومه الدستوري، يقصد به كامل أراضي الدولة وما يشملها من مجال جوي ومياه إقليمية، وليس جزءًا منها.
وقد نص دستور المملكة الليبية المتحدة الصادر في 7 أكتوبر 1951م على قيام دولة اتحادية تضم ثلاث ولايات هي برقة وطرابلس وفزان، لكل منها مؤسساتها المحلية، مع بقائها جميعًا ضمن دولة واحدة ذات سيادة.
ثم جرى تعديل الدستور عام 1963م بإلغاء النظام الفيدرالي واستبداله بنظام إداري موحد يقوم على المحافظات والبلديات، تعزيزًا للوحدة الوطنية وترسيخًا لسلطة الدولة المركزية.
ومن ثم فإن أي تغيير جوهري في البنية السياسية أو الإدارية للدولة يتطلب أساسًا دستوريًا واضحًا، ولا يمكن أن يتم بمجرد دعوات أو مطالبات سياسية.
وعليه، فإن الدعوات إلى إنشاء أقاليم جديدة داخل الدولة الليبية الموحدة تثير جدلًا واسعًا حول آثارها السياسية والإدارية، ومدى انعكاسها على الوحدة الوطنية والتماسك الجغرافي والاجتماعي للدولة، خاصة في ظل الظروف التي تمر بها البلاد.
ومن ثم فإن الحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها واستقرارها يظل مسؤولية وطنية مشتركة، تستوجب تغليب المصلحة العامة وتجنب كل ما من شأنه تأجيج الانقسامات أو إضعاف مؤسسات الدولة.
حفظ الله ليبيا وأهلها من كل سوء.
