من القوائم إلى القمم

بقلم / عفاف الفرجاني
من باب السخرية السياسية أعترف أنني أصبحت معجبة برئيس الولايات المتحدة دونالد بترامب،. فالرجل يمتلك موهبة نادرة في تمزيق الأقنعة التي أمضى آخرون سنوات في صناعتها وتسويقها للشعوب.
لقد باعتنا جماعات الإسلام السياسي أوهامًا كثيرة. حدثونا عن مشاريع التحرير، وعن معارك الأمة الكبرى، وعن المواجهة مع الغرب، ثم اكتشفنا أن معظم المعارك كانت داخل أوطاننا، وضد جيوشنا ومؤسساتنا ومجتمعاتنا.
يكفي أن نتأمل التحولات التي شهدتها شخصيات قدمت نفسها لسنوات باعتبارها رأس حربة في مشروع إسلامي عالمي. أحمد الشرع (الجولاني)
مثال حي يطرح أسئلة لا تنتهي. فبين الخطاب القديم والواقع السياسي الجديد مسافة شاسعة تستحق التأمل. سنوات من الشعارات الصاخبة انتهت إلى البحث عن الشرعية الدولية والاعتراف الخارجي، وكأن كل ما سبق كان مجرد مرحلة عبور نحو واقع مختلف تمامًا.
فبعد سنوات من ملاحقة الجولاني ووضعه على قوائم الإرهاب، يقف ترامب اليوم مشيدًا به على الملأ، واصفا إياه بالرجل الذي أنقذ سوريا وأحد أبطال العرب.
المشهد وحده كافٍ ليكشف كيف تتغير التصنيفات السياسية بتغير المصالح.
في ليبيا أيضًا، لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبه الصادق الغرياني في الحياة السياسية خلال السنوات الماضية. فالرجل لم يكن مجرد مفتٍ يصدر أحكامًا شرعية، بل تحول إلى طرف سياسي مؤثر في الصراع الليبي، من خلال أذرع إعلامية وأجنحة عسكرية (ميليشيات)، فمن خلال مواقفه وفتاواه وخطابه ساهم في تعميق الانقسام وإضفاء غطاء ديني على صراعات سياسية معقدة. لم يستفد منه أحد إلا الإنجليز وعملاءهم من المؤدلجين.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا سيحدث لو انكشفت يومًا كل تفاصيل العلاقات والتقاطعات الإقليمية والدولية التي أحاطت بمختلف الأطراف والتيارات منذ ظهور أول شرارة لما تعرف بثورات الربيع العربي؟
كم من الشخصيات التي قدمت نفسها باعتبارها مستقلة القرار ستظهر مرتبطة بحسابات أكبر منها؟ وكم من الشعارات التي رفعت باسم الدين والثورة ستسقط أمام حقائق السياسة والمصالح؟
إن أخطر ما تواجهه مجتمعاتنا ليس السلاح وحده، بل توظيف الدين في تشكيل الوعي العام. فعندما يتحول الخلاف السياسي إلى معركة بين الإيمان والكفر، وبين الحق المطلق والباطل المطلق، يصبح من السهل قيادة الجماهير حيث يشاء أصحاب النفوذ.
وهذا ما يحدث اليوم، كل الإخفاقات السياسية والتعثر الاقتصادي، والفوضى الأمنية، حتى السوشيال ميديا مخطوفة من جانب حراس المنابر، كل ما يتعارض مع مصلحة العدو، يكيف تابوهات وحرام، وهذا ما لا تخفيه حناجر الجهاديين، ممن يرتدون اليوم عباءة الدين والوطنية، في مشهد فرماني على حوائط الميديا المتأسلمة.
ولذلك أعتقد أن السنوات القادمة لن تكون سنوات مفاجآت سياسية فحسب، بل سنوات مراجعة كبرى. وعندما تُفتح الملفات ويُرفع الغطاء عن كثير من الوقائع، سيدرك الناس أن من قدموا أنفسهم أوصياء على الدين لم يكونوا فوق الحساب والنقد كما أرادوا لأنفسهم أن يكونوا، بل سيدركون أنهم أوراق للاستخدام الوقتي.
