مقالات الرأي

نهوض ليبيا باستثمار القوة الناعمة – الجزء الثالث


بقلم/ محمد عبد القادر
القضاء الليبي من خارطة الفوضى إلى قدسية القانون: يُمثِّل القضاء القوة الناعمة الثانية لنهضة ليبيا، والركيزة الأساسية لإنهاء عقد ونصف من الفوضى وتغوُّل الميليشيات المسلحة. إن الانتقال إلى “دولة القانون” لا يتحقق بنصوصٍ جامدة، بل ببيئة تحصينٍ شاملة تتضافر فيها الأبعاد الدستورية، الأمنية، والنزاهة المؤسسية، وفق محاور إستراتيجية حاسمة:
أولًا: التحصين الدستوري والاستقلال الهيكلي
استقلال كامل: صياغة دستور جامد يضمن فصلًا حقيقيًّا للسلطات، ويجعل “المجلس الأعلى للقضاء” هيئة مستقلة تمامًا تُنتخب من القضاة أنفسهم، بعيدًا عن هيمنة السلطة التنفيذية.
الحصانة والاستقلال المالي: تفعيل الحصانة القضائية المطلقة ضد الابتزاز السياسي، وتخصيص ميزانية مستقلة تُقرُّ مباشرة من المشرِّع لقطع يد المال الفاسد.
ثانيًا: الأمن القضائي وفوقية الأحكام
الشرطة القضائية النخبوية: تأسيس جهاز أمني محترف يتبع القضاء مباشرة، لحماية المحاكم، القضاة، والشهود من بطش السلاح، مع تفعيل “المحاكمات الرقمية عن بُعد” في القضايا الحساسة.
قدسية الحكم: تجريم الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية واعتباره “خيانة عظمى” تعزل المسؤول فورًا، مع إلزام الأجهزة الرسمية بإنفاذ القوة الجبرية تحت إشراف النيابة العامة.
ثالثًا: النزاهة المطلقة والتطهير الذاتي: الحياد السياسي والفكري: حظر العمل الحزبي، والتعبير عن الآراء الأيديولوجية أو السياسية لرجال القضاء قطعيًّا، واعتبار المخالفة موجبة للعزل الفوري صونًا لحياد المنصة.
تطهير المنافذ والداخل: وضع معايير صارمة للانضمام للسلك القضائي تشمل التفوق العلمي والفحص السلوكي والأمني المعمَّق، مع تفعيل “مجلس الصلاحية” وإقرار الذمة المالية الإلزامي لتنقية الجسد القضائي من شوائب الفوضى.
العدالة الرقمية: رقمنة العمل القضائي لمنع التزوير والرشوة، مع توفير مزايا مالية مجزية تحصِّن القاضي من الحاجة.
إن نزاهة القضاء ليست مجرد ضمانة لتحقيق العدالة، بل هي دعامة أساسية لترسيخ ثقة الشعب في دولته ومؤسساتها. فحين يوقن المواطن أن القانون هو السيد، وأن الحقوق تُصان بالأحكام لا بالنفوذ، يترسخ الانتماء الوطني ويقوى الشعور بالمواطنة.
كما أن احتكار الدولة للسلاح يُعدُّ شرطًا جوهريًّا لقيام دولة القانون؛ فالقوة يجب أن تكون أداةً لحماية المجتمع وصون المؤسسات الشرعية وتمكينها من أداء وظائفها، لا وسيلةً للهيمنة الفردية أو فرض الإرادات الخاصة. فالسلاح إذا خرج عن إطار الدولة والقانون تحوَّل من وسيلة حماية إلى مصدر اضطراب يهدد العدالة والاستقرار.
إن نهوض الدول يقاس بمدى فاعلية المعايير التي تنظم عمل السلطات العامة، وتحدد اختصاصاتها، وتضبط علاقاتها بعضها ببعض. وهذه المنظومة لا تستقيم إلا بتربية وجدانية وأخلاقية ووطنية تُعلي المصلحة العامة على المصالح الخاصة، وتربط الحقوق والامتيازات بمعايير الكفاءة والأداء. وفي هذا الإطار تضطلع الأجهزة الرقابية والضبطية والقضائية بمهمة المتابعة والمساءلة وحماية المشروعية، بما يكفل حسن أداء المؤسسات لوظائفها ويصون هيبة الدولة وسيادة القانون.
وبذلك يصبح القضاء العادل المستقل، إلى جانب احتكار الدولة للقوة المشروعة، حجر الأساس في بناء وطنٍ آمنٍ ومستقر، تتساوى فيه الحقوق والواجبات، وتُصان فيه كرامة الإنسان تحت مظلة القانون.

زر الذهاب إلى الأعلى