مقالات الرأي

ابتسامات إيفيان وخرائط النار الجديدة


بقلم / محمد علوش
لم تعد قمم الدول الصناعية الكبرى مناسبات احتفالية تعكس تماسك المعسكر الغربي وقدرته على إدارة النظام الدولي كما كان الحال في العقود الماضية، فخلف الصور الجماعية والابتسامات البروتوكولية والمصافحات المعدَّة للكاميرات، تتراكم مؤشرات أزمة بنيوية تضرب قلب النظام الرأسمالي العالمي، وتكشف عن تصدعات متزايدة داخل المعسكر الذي قاد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وقد جاءت قمة مجموعة السبع الأخيرة انعكاسًا مباشرًا لحالة القلق التي تعيشها القوى الغربية التقليدية في مواجهة عالم يتغير بوتيرة متسارعة، فالصعود المتنامي لقوى دولية جديدة، وتراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها بصورة منفردة، واتساع الفجوة الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمعات الغربية نفسها، كلها عوامل جعلت من هذه القمم ساحات لإدارة الخلافات أكثر منها منصات لصناعة التوافقات.
وفي هذا السياق، تبدو العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، فسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، القائمة على النزعة القومية الاقتصادية والضغوط التجارية والمالية على الحلفاء، أعادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول مستقبل التحالف الغربي ذاته، ولم تعد الخلافات تقتصر على نسب الإنفاق الدفاعي أو الرسوم الجمركية، بل امتدت إلى ملفات استراتيجية كبرى تتعلق بأوكرانيا والعلاقة مع روسيا والصين، وصولًا إلى مقاربة أزمات الشرق الأوسط.
غير أن ما يجمع هذه الدول، رغم تناقضاتها المتزايدة، هو استمرار حرصها على الحفاظ على بنية النظام الدولي القائم بما يضمن مصالحها الاقتصادية والسياسية، وهنا تحديدًا تبرز القضية الفلسطينية بوصفها أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على ازدواجية المعايير الغربية.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه حكومات مجموعة السبع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي، تواصل تقديم الغطاء السياسي والعسكري والدبلوماسي لإسرائيل، رغم ما ترتكبه من انتهاكات موثقة بحق الشعب الفلسطيني، وقد كشفت الحرب المستمرة على قطاع غزة، بصورة غير مسبوقة، حجم الهوة بين الخطاب الغربي والقيم التي يدّعِي الدفاع عنها، وبين الممارسة الفعلية التي تخضع لحسابات القوة والمصالح الجيوسياسية.
ومن المفارقات اللافتة أن القوى الغربية التي تفرض العقوبات الاقتصادية وتلوِّح بالقانون الدولي في أزمات عديدة حول العالم، تبدو عاجزة، أو غير راغبة، في تطبيق المعايير ذاتها عندما يتعلق الأمر بالاحتلال الإسرائيلي والاستيطان والحصار والعدوان المتواصل على الشعب الفلسطيني، وقد أسهم ذلك في تآكل الصورة الأخلاقية والسياسية للغرب لدى قطاعات واسعة من شعوب العالم، ولا سيما في بلدان الجنوب العالمي.
وفي المقابل، تشهد المنطقة تحولات عميقة تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، فالمواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران، والتوترات الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق البحر المتوسط، تعكس صراعًا أوسع على إعادة رسم موازين القوى الإقليمية والدولية، وفي قلب هذه التحولات تبقى فلسطين حاضرة، ليس فقط باعتبارها قضية تحرر وطني، بل أيضًا باعتبارها معيارًا لعدالة النظام الدولي ومستقبل الاستقرار في المنطقة.
لقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن محاولات تجاوز القضية الفلسطينية أو تهميشها لم تنتج سلامًا ولا استقرارًا، وعلى العكس من ذلك، أسهمت سياسات الاحتلال والاستيطان والحروب المتكررة في إنتاج المزيد من العنف والتوتر وعدم اليقين، كما أن الرهان على القوة العسكرية وحدها لم ينجح في إخماد تطلعات الشعب الفلسطيني إلى الحرية والاستقلال.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تكشف التقارير الدولية عن مفارقة صارخة بين الخطاب الغربي الداعي إلى التنمية العالمية وبين الواقع الفعلي، ففي الوقت الذي تخفِّض فيه المساعدات المخصصة للدول الفقيرة وتتزايد أعباء الديون على شعوب الجنوب، تحقق شركات السلاح والطاقة والنفط أرباحًا قياسية من الحروب والأزمات، وهذا يؤكد أن كثيرًا من الصراعات المعاصرة لم تعد منفصلة عن مصالح اقتصادية ضخمة تستفيد من استمرار التوترات وغياب الاستقرار.
إن الابتسامات التي ظهرت في قمة إيفيان لم تستطع إخفاء حقيقة أن العالم يعيش مرحلة انتقالية مضطربة، تتراجع فيها قدرة القوى التقليدية على احتكار القرار الدولي، فيما تتصاعد مطالب الشعوب بالعدالة والكرامة والسيادة الوطنية، وفي هذا المشهد المتغير، تظل القضية الفلسطينية أحد أهم الاختبارات الأخلاقية والسياسية للنظام الدولي، لأنها تكشف بوضوح الفجوة بين الشعارات والممارسات، وبين القانون كما ينص عليه والقانون كما يطبَّق فعليًّا.
وإذا كانت الخلافات داخل مجموعة السبع تعكس أزمة قيادة عالمية متفاقمة، فإن استمرار المأساة الفلسطينية يجسد أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الدولي ذاته، وبقدرته على تحقيق العدالة بعيدًا عن منطق القوة والهيمنة، ولذلك سيظل مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط، وربما جانب مهم من مستقبل النظام العالمي، مرتبطًا بإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية يضمن إنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

زر الذهاب إلى الأعلى