مقالات الرأي

مونديال الفوضى


بقلم/ محمد بوخروبة
ليست كل دولة قادرة على استضافة كأس العالم، حتى وإن امتلكت أضخم اقتصاد على وجه الأرض وأحدث البنى التحتية وأوسع شبكات النقل وأكثر المطارات ازدحامًا، فهناك فارق جوهري بين القدرة على تنظيم حدث عالمي والقدرة على احتضان روح هذا الحدث، وبين الأمرين مسافة شاسعة لا تختصرها الأموال ولا تردمها التكنولوجيا.
ومنذ أن منحت الولايات المتحدة شرف استضافة كأس العالم، بالشراكة الشكلية مع كندا والمكسيك، بدا السؤال مشروعًا: هل اختار الاتحاد الدولي لكرة القدم دولة تعشق اللعبة حقًا، أم اختار قوة اقتصادية كبرى قادرة على تحويل البطولة إلى مشروع استثماري عملاق؟
فالأخطاء التنظيمية الكثيرة التي بدأت تتكشف لا تتعلق فقط بفروق التوقيت الهائلة بين الولايات المتحدة وبقية العالم، وهي فروق جعلت مئات الملايين من المشجعين في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط أسرى ساعات متأخرة من الليل أو ساعات الفجر الأولى لمتابعة مباريات منتخباتهم، ولا يتعلق الأمر كذلك بالمسافات الشاسعة التي تفصل الملاعب عن بعضها بعضًا، حتى بدا التنقل بين المدن الأمريكية أشبه برحلات قارية طويلة داخل بطولة يفترض أنها تقام في بلد واحد.
المشكلة الحقيقية تكمن في أن الولايات المتحدة تبدو حتى الآن وكأنها لم تدرك المعنى الحضاري لكأس العالم، فهي تتعامل مع البطولة بالعقلية نفسها التي تدير بها مؤتمرات الأعمال والمعارض التجارية والأحداث الترفيهية الكبرى، أي باعتبارها منتجًا استهلاكيًّا ضخمًا، لا مناسبة إنسانية وثقافية ورياضية تستقطب شعوب الأرض كلها.
إنها اللغة الوحيدة التي يفهمها الفقير والغني المتعلم والأمي الشرقي والغربي دون حاجة إلى مترجم.ولهذا السبب تحديدًا كانت البطولات الكبرى الناجحة تلك التي جعلت الجماهير تشعر بأنها موضع ترحيب لا موضع شك وريبة،لكن ما شهدته الأيام التي سبقت انطلاق المنافسات يبعث على القلق، فبدلًا من استقبال اللاعبين والإداريين والمشجعين باعتبارهم ضيوفًا على أكبر مهرجان رياضي في العالم، وجد كثير منهم أنفسهم أمام إجراءات تفتيش واستجواب وتعقيدات بيروقراطية غير مسبوقة في تاريخ البطولة الحديثة.هنا لا يعود الأمر مسألة أمنية فحسب، بل يتحول إلى سؤال أخلاقي وثقافي، كيف يمكن لدولة تستضيف العالم أن تستقبل ضيوفها بعقلية الشبهة قبل الترحيب؟
إن كرة القدم قامت أصلًا على فكرة إزالة الحدود الرمزية بين الشعوب لا على إعادة إنتاجها في صالات المطارات وغرف التحقيق، وإذا كانت الرياضة طوال عقود نجحت في بناء جسور فوق الأنهار السياسية الملتهبة، فإن ما يحدث اليوم يكشف محاولة لجر تلك الجسور نفسها إلى ساحات التجاذب السياسي.
فحين يمنع أفراد من بعثات رياضية من الدخول أو تفرض قيود استثنائية على فرق وجماهير بعينها، فإن الرسالة التي تصل إلى العالم ليست رسالة رياضية، بل رسالة سياسية صريحة مهما حاول البعض تغليفها بالمبررات الإدارية والقانونية.
والأخطر من كل ذلك أن الجماهير نفسها، وهي القلب الحقيقي للعبة، تبدو الضحية الكبرى لهذا النموذج التنظيمي، فأسعار التذاكر بلغت مستويات فلكية لا تنسجم مع الطبيعة الشعبية لكرة القدم، وتحولت الرحلة إلى المونديال بالنسبة إلى كثير من المشجعين إلى مشروع مالي مرهق يحتاج إلى ميزانية تفوق قدرة الأسر المتوسطة في معظم دول العالم.
أما الفنادق وأسعار التنقل والخدمات، فقد ارتفعت إلى مستويات تجعل حضور البطولة امتيازًا طبقيًّا أكثر منه تجربة جماهيرية مفتوحة، فاللعبة التي ولدت في الأزقة الشعبية والمرافئ العمالية والمناطق الفقيرة، أصبحت في بعض جوانبها أسيرة حسابات السوق ومضاربات الاستثمار.
وكأن العالم يدفع تدريجيًّا نحو نسخة جديدة من كرة القدم، تشاهد عبر الشاشات أكثر مما تعاش في المدرجات، وإذا كانت الجماهير هي روح اللعبة فإن الملاعب هي جسدها،فكثير من المنشآت الرياضية المخصصة للمباريات لم تبنَ أساسًا لكرة القدم، بل جرى تعديلها لتناسب الحدث، وقد ظهرت منذ المباريات التحضيرية شكاوى عديدة تتعلق بجودة الأرضيات وتأثيرها في الأداء الفني وسلامة اللاعبين.
ولعل ما يزيد من غرابة المشهد أن هذه الانتقادات تأتي في وقت لا تزال فيه ذاكرة العالم تحتفظ بصورة مختلفة تمامًا عن النسخ السابقة التي أقيمت فى عدة دول آسيوية وعربية وأوروبية.
أما اليوم، فإن المقارنة تبدو حاضرة بقوة في أذهان كثيرين، ليس بهدف المفاضلة بين هذه الدول، بل للتذكير بحقيقة بسيطة مفادها أن المال وحده لا يصنع النجاح.
وفي خضم هذه المقارنات يحضر في الذاكرة الليبية معنى آخر للرياضة، ففي ليبيا وعلى الرغم من الصعوبات السياسية والاقتصادية، ظلت الملاعب فضاءً وطنيًّا نادرًا يجتمع فيه الناس تحت راية واحدة، ومنذ تأسيس الأندية العريقة في بنغازي وطرابلس ومصراتة وسبها وغيرها من المدن تشكلت عبر الرياضة مساحات للتلاقي الاجتماعي والوحدة الوطنية، حتى في أكثر المراحل اضطرابًا.
لقد كانت المدرجات الليبية، على تواضع إمكاناتها، أكثر ثراء من كثير من المنشآت العملاقة، لأنها احتضنت الشغف الحقيقي، وكانت الرياضة الليبية، رغم محدودية الموارد، شاهدًا دائمًا على أن قيمة اللعبة لا تقاس بحجم الإسمنت والحديد، بل بحجم الانتماء الذي يسكن قلوب الجماهير.
ربما تنجح الولايات المتحدة في تنظيم آلاف المباريات ونقلها بأحدث التقنيات وإدارة أدق التفاصيل اللوجستية، لكن السؤال الذي سيبقى معلقًا في ذاكرة هذه النسخة ليس كم أنفقت ولا كم ربحت ولا كم مدينة استضافت المباريات، ولكن السؤال المهم: هل نجحت في جعل العالم يشعر بأنه في عيد لكرة القدم، أم أنها قدمت للعالم بطولة تكشف أن القوة تستطيع ان تستضيف الحدث، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تصنع روحه؟

زر الذهاب إلى الأعلى