مقالات الرأي

نهوض ليبيا باستثمار القوة الناعمة.. التعليم كركيزة أساسية في النهوض (الجزء الثاني)


بقلم/ محمد عبدالقادر
بعد عقدٍ ونيِّف من الفوضى وتآكل المؤسسات السيادية، تواجه ليبيا خطر التفكيك والتقسيم والهيمنة على سيادتها لنهب ثرواتها واستخدامها أداة لتحقيق استراتيجيات الدول الكبرى.
وأمام هذا الواقع المأزوم، يبرز مشروع “هندسة القوى الناعمة” (التعليم، القضاء، الإعلام) كضرورة وطنية قصوى للعبور نحو الاستقرار وبناء دولة الدستور؛ فالتعليم هو المنارة التي تبني وعي المواطن، وبدون هذا الوعي المحصَّن لن تتحقق أي نهضة مرجوة.
ولكي يصبح التعليم قاطرةً حقيقية للنهضة، لا بد من إحداث اختراق نوعي يفكك النظام التعليمي التقليدي القائم على التلقين واجترارالمعلومات، والذي لا ينتج سوى “أصحاب شهادات” عاجزين عن تغيير واقعهم، ولا أعمم، مع احتفاظي بالتقدير لقدرات بعضهم المتفاوتة والمتفوقة.
البديل الحتمي هو نموذج يحرر العقل نقدًا وتجريبًا، ويجسر الفجوة بين حامل الشهادة وحامل العلم المغيِّر للحياة، عبر دمج مهارات التفكير النقدي، وإصلاح نظام التقويم باستبدال الاختبارات الروتينية بآليات التقييم المستمرالقائم على الفهم والتحليل.
إن تنفيذ هذه الرؤية يرتكز على إعادة هيكلة إعداد المعلم، وتحويل دوره من “ملقن سلبي” إلى “ميسر وموجه” يبعث الدهشة ويوقد شغف المعرفة؛ ليكون صاحبًا لرسالة لا مجرد موظف يوقد الشعلة ويقود عملية التعليم كقائد الأوركسترا الذي يفتح مسارات التعبير لعازفيه كلٍّ بآلته.
يتزامن ذلك مع رقمنة البنية التحتية للمدارس، وتوفير مختبرات علمية تربط المخرجات بالتنمية وسوق العمل، تتحول هذه المعامل من دورها المعتاد إلى أن تكون نسخة مصغرة من الواقع العملي الميداني الحافل بالتجارب وماينتج عنها من معضلات تحتاج إلى معالجة أي إلى عقل يدرس ويستكشف ويبدع ولايقلد ويكرر معلومات لافائدة منها.
وفي بيئات الصراع، يتحول التعليم إلى مشروع أمن قومي لترسيخ المواطنة والولاء الواعي عبر استراتيجية خماسية الأبعاد:
مناهج المواطنة الحاضنة: صياغة تاريخ توافقي يبتعد عن تمجيد أطراف النزاع ويركزعلى المحطات الجامعة، مع إدراج مادة “المواطنة وحقوق الإنسان” لترسيخ احترام الدستور والتداول السلمي للسلطة.
تفكيك الخطاب الإقصائي: تنقية الكتب المدرسية من الإشارات القبلية والجهوية وتعميمات السرديات المتناقضة والمتداخلة مع من يريد بموطننا شرًا، واستبدالها بلغة تؤكد تكافؤ الفرص والبحث عن سردية جمعية تجمع ولاتفرق تصون ولاتبدد.
بيئة مدرسية جامعة تسهم في تحويل المدرسة إلى نموذج مصغر للدولة والمعمل إلى نموذج مصغر للمصنع والمزرعة والحياة بشكل عام أي نقل المدرسة لمعايشة الحياة، وفضاء مشترك يلتقي فيه أبناء المتصارعين ليتعلموا العيش المشترك ويمارسوه عمليًّا.
ميثاق الشرف المهني وتأهيل المعلم يعتبر من أهم مخرجات النظام التعليمي المستحدث لغرض النهضة بما فيه تدريب المعلمين على استراتيجيات الحوار، حل النزاعات، وتقبل الآخر لتهيئة فصول نقاش عقلانية.
على أن يسهم في ربط التعليم بقيمة وقيم الإنتاج.
يعمل هذا النظام التعليمي على تحويل الولاء من القبيلة إلى الوطن عبر تطبيق الخدمة المجتمعية الإلزامية (كالتشجير ومحو الأمية إن وجدت وغيرها) كشرط للتخرج، ترسيخًا للانتماء الفعلي لا النظري.
إن إعادة هندسة التعليم اليوم هي حجر الزاوية والوقود اللازم لصناعة مستقبل ليبيا المستقرة والمزدهرة.

زر الذهاب إلى الأعلى