مقالات الرأي

الاتصال الحكومي الرقمي


بقلم/ عبدالكريم الزياني

تكشف متابعة صفحات عدد من المؤسسات الحكومية الليبية عن مشكلة أعمق من مجرد كثرة التهاني والتعازي. فالقضية في جوهرها ترتبط بضعف فهم استراتيجيات الإعلام والاتصال الرقمي الحكومي ودوره الحقيقي في إدارة العلاقة بين الدولة والمواطن.
لا أحد يختلف على أهمية البعد الإنساني في عمل المؤسسات العامة. فمن الطبيعي أن تشارك مؤسسات الدولة المواطنين أفراحهم وأحزانهم في حدود معقولة. لكن ما يحدث أحيانًا يوحي بأن هذا الدور أصبح هو الوظيفة الأساسية بينما تراجع الدور الاتصالي الذي وجدت هذه المنصات من أجله.
عندما يزور المواطن الصفحة الرسمية لمؤسسة حكومية فهو لا يبحث عن تهنئة جديدة ولا عن بيان تعزية آخر. هو يبحث عن معلومة دقيقة وخدمة واضحة وإجابة عن سؤال يشغله. يريد أن يعرف ماذا أنجزت المؤسسة، وما خططها، وكيف يمكنه الاستفادة من خدماتها. هذه هي الوظيفة الأساسية للاتصال الحكومي في العصر الرقمي.
المشكلة أن بعض المؤسسات ما زالت تتعامل مع منصات التواصل الاجتماعي بعقلية النشر التقليدي لا بعقلية الاتصال الاستراتيجي. لذلك تزدحم الصفحات بالصور البروتوكولية والمجاملات الاجتماعية بينما تغيب البيانات التوضيحية والمحتوى الخدمي والتفاعل الحقيقي مع الجمهور.
الاتصال الحكومي الرقمي ليس نشاطًا للعلاقات العامة بالمعنى الضيق للكلمة. إنه أداة لبناء الثقة وتعزيز الشفافية وإشراك المواطنين في الشأن العام وإدارة الأزمات ومواجهة الشائعات. وعندما يغيب هذا الفهم تتحول المنصات الرقمية إلى مساحات للنشر الشكلي بدل أن تكون أدوات للتأثير والتواصل.
المؤسف أن العالم يتحدث اليوم عن الحكومات الذكية والبيانات المفتوحة والتواصل التفاعلي بينما ما زالت بعض مؤسساتنا تقيس نجاحها بعدد التهاني المنشورة وعدد الصور المرفوعة على الصفحة. والحقيقة أن نجاح الاتصال الحكومي لا يقاس بحجم المحتوى المنشور، بل بمدى قدرة هذا المحتوى على خدمة المواطن وتلبية احتياجاته وتعزيز ثقته بمؤسسات الدولة.
المشكلة إذن ليست في المنصات الرقمية، بل في فهم فلسفة الاتصال الحكومي نفسه. فحين يُفهم الاتصال باعتباره خدمة عامة لا مجرد نشر أخبار ومجاملات ستتغير طبيعة المحتوى وتتغير معه علاقة المواطن بمؤسساته.

زر الذهاب إلى الأعلى