ملفات وتقارير

دعم المحروقات بين استنزاف الميزانية ومخاطر الفساد


إعداد/ عثمان الدعيكي


كشف تقرير “مراجعة دعم المحروقات” الصادر عن اللجنة العليا لتنفيذ التعاون الاستراتيجي لمكافحة الفساد بين ديوان المحاسبة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عن واحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية والمالية التي تواجه الدولة الليبية، حيث تحوَّل ملف دعم المحروقات من أداة لحماية المواطن إلى عبء مالي ضخم يستنزف موارد الدولة ويغذي شبكات الهدر والفساد، وسط غياب إطار تشريعي واضح وضعف في الرقابة والحوكمة.
فاتورة باهظة تفوق المنطق الاقتصادي
وفقًا للتقرير، أنفقت ليبيا خلال عام 2024 نحو 9.2 مليار دولار على استيراد الوقود، أي ما يعادل نحو 1200 دولار لكل مواطن ليبي، في حين لا يتجاوز إنتاج المصافي المحلية 20% من الطلب المحلي.
وتعكس هذه الأرقام حجم الاختلال القائم في إدارة هذا الملف الحيوي، إذ تشير التقديرات إلى أن الاستهلاك الفعلي لا يبرر هذه المستويات المرتفعة من الإنفاق. وتجد ليبيا نفسها أمام معادلة غير منطقية: دولة تمتلك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في أفريقيا، لكنها تعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الوقود المكرر لتغطية احتياجاتها المحلية.
أزمة هيكلية لا تقتصر على الدعم
لا تكمن المشكلة في الدعم وحده، بل في طريقة إدارة المنظومة بأكملها. فقد كشف التقرير عن غياب إطار تشريعي واضح لتمويل دعم المحروقات، حيث لم تُدرج مخصصات صريحة لهذا البند في ميزانيتي 2023 و2024، ما أدى إلى الاعتماد على آليات المقايضة واستبدال النفط الخام بمنتجات نفطية مستوردة خارج القنوات التقليدية للإنفاق العام.
وأدى ذلك إلى تشويه البيانات المالية وإخفاء الحجم الحقيقي للإنفاق الحكومي، الأمر الذي أضعف الرقابة المالية وأفقد الدولة القدرة على التخطيط السليم وإدارة مواردها بكفاءة.
انهيار القدرات التكريرية
من أخطر المؤشرات التي رصدها التقرير التراجع الحاد في القدرات التكريرية الوطنية، خاصة بعد توقف مصفاة رأس لانوف منذ عام 2013، وهي المصفاة التي كانت تمثل نحو 58% من الطاقة التكريرية للبلاد.
وقد ترتب على ذلك خسائر تقدر بنحو 1.2 مليار دولار سنويًّا نتيجة زيادة الاعتماد على الاستيراد، رغم أن تكلفة إنتاج الوقود محليًّا أقل بكثير من تكلفة استيراده. ويؤكد ذلك أن استمرار الاعتماد على الخارج يمثل خيارًا اقتصاديًّا مكلفًا لا ينسجم مع إمكانات ليبيا النفطية.
مؤشرات فساد مقلقة وشبكات تستنزف الدولة
رصد التقرير عددًا من المؤشرات التي تعزز الشبهات حول وجود فساد مالي وإداري واسع في منظومة التوريد والتوزيع، من أبرزها:
• تركز واردات الوقود في ست شركات فقط، مع حصول شركة واحدة على نحو 43% من العقود.
• استبعاد شركات عالمية ذات خبرة لصالح شركات حديثة التأسيس.
• تضخم غير مبرر في العلاوات المضافة على أسعار التوريد بما تسبب في خسائر تقدر بنحو 596 مليون دولار سنويًّا.
• وجود شبهات تنسيق بين بعض الشركات المتنافسة.
• فروقات بين المخزون الفعلي والسجلات المحاسبية.
• ارتفاع غير مبرر في استهلاك الوقود لدى بعض الجهات العامة والأمنية والخدمية.
لكن الأزمة تتجاوز مجرد الاختلالات الإدارية، إذ تشير الوقائع إلى وجود شبكات مصالح تستفيد من استمرار الفوضى في هذا القطاع.

فجزء كبير من الوقود المدعوم لا يذهب إلى المستهلك المحلي، بل يتسرب إلى الأسواق الموازية وعبر الحدود في عمليات تهريب منظمة تستنزف المال العام.
وتزداد خطورة المشكلة عندما تكون بعض الجهات المكلفة بالحماية والرقابة جزءًا من منظومة الخلل أو عاجزة عن مواجهتها، ما يجعل مكافحة الفساد والتهريب شرطًا أساسيًّا لأي إصلاح حقيقي.
كيف كانت ليبيا تدير الملف في السابق؟
رغم الانتقادات التي وُجهت للسياسات الاقتصادية خلال العقود السابقة، فإن منظومة استيراد وتوزيع المحروقات كانت أكثر مركزية وانضباطًا مقارنة بالوضع الحالي. فقد كانت عمليات الاستيراد تتم عبر عدد محدود من الموردين المعروفين، بينما لعبت المصافي الوطنية دورًا أكبر في تلبية الطلب المحلي.
كما كانت تكلفة الدعم أقل بكثير نتيجة انخفاض معدلات التهريب وارتفاع مساهمة الإنتاج المحلي. ورغم محدودية الشفافية آنذاك، فإن الدولة كانت تملك قدرة أكبر على التحكم في سلسلة الإمداد من الإنتاج إلى التوزيع.
ما الأسباب التي جعلت منظومة الدعم تشكل ضغطًا على الميزانية العامة؟
يمكن تلخيص هذه الأسباب في عدة عوامل رئيسية:
1. انخفاض الأسعار المحلية مقارنة بالأسعار العالمية، ما شجع التهريب والاستهلاك المفرط.
2. تراجع القدرات التكريرية الوطنية.
3. غياب بيانات دقيقة عن الاحتياجات الفعلية للسوق.
4. ضعف الرقابة على التخزين والنقل والتوزيع.
5. تضارب الصلاحيات وتشتت المسؤوليات.
6. استفحال الفساد وضعف المساءلة.
7. ضعف الرقابة على الحدود واستمرار التهريب.
الإصلاح التدريجي ضرورة وطنية
لا يمكن معالجة أزمة دعم المحروقات عبر قرارات متسرعة أو رفع مفاجئ للأسعار، لأن ذلك ستكون له آثار مباشرة على حياة المواطنين من خلال ارتفاع تكاليف النقل والخدمات والسلع الأساسية.
وسيكون المواطن محدود الدخل والفئات الكادحة الأكثر تضررًا من أي إجراءات غير مدروسة، لذلك فإن الحل الواقعي يتمثل في تنفيذ برنامج إصلاح تدريجي ومتوازن يهدف إلى خفض فاتورة الدعم دون الإضرار بالاستقرار الاجتماعي أو القدرة الشرائية للمواطنين.
استراتيجية وطنية متدرجة لإصلاح دعم المحروقات
المرحلة الأولى: استعادة سلطة الدولة
تبدأ عملية الإصلاح بإنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي وتوحيد مؤسسات الدولة، مع فرض السيطرة على المنافذ الحدودية والموانئ ومرافق التخزين، وتفعيل دور حرس الحدود والأجهزة الأمنية والرقابية والقضائية في مكافحة التهريب والفساد.
المرحلة الثانية: بناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة
تشمل تحديث بيانات المواطنين وربطها بالرقم الوطني، وإنشاء قاعدة بيانات موحدة للفئات المستحقة للدعم، إضافة إلى تطوير منظومة رقمية لتتبع الوقود من الاستيراد وحتى الاستهلاك النهائي، وحصر الاحتياجات الفعلية للقطاعات المختلفة، خاصة قطاع الكهرباء.
المرحلة الثالثة: ضبط التمويل والإنفاق
وتشمل إنهاء آليات المقايضة غير الواضحة، واعتماد ميزانية شفافة لدعم المحروقات، وتقنين عمليات شراء الوقود، وإخضاع جميع عمليات الاستيراد والتوزيع للرقابة المالية والتشريعية، مع نشر البيانات المتعلقة بالكميات المستوردة وتكاليفها.
المرحلة الرابعة: تعزيز القدرات التكريرية
لا يمكن تحقيق إصلاح مستدام في ظل استمرار الاعتماد على استيراد الوقود. ولذلك ينبغي إعادة تشغيل وتطوير المصافي القائمة، وفي مقدمتها رأس لانوف والزاوية، ورفع كفاءتها الإنتاجية، وإنشاء مصافٍ جديدة في مواقع استراتيجية لتلبية الطلب المحلي.
كما يتطلب الأمر تشجيع الاستثمار في قطاع التكرير والصناعات البتروكيماوية بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني ويخفض فاتورة الاستيراد.
المرحلة الخامسة: تطوير منظومة النقل العام والشحن
يُعد قطاع النقل من أكبر مستهلكي الوقود في ليبيا، كما أن ضعف البنية التحتية للنقل يرفع تكاليف السلع والخدمات. لذلك ينبغي:
• إنشاء شبكات نقل عام حديثة داخل المدن وبينها وتطوير شبكة الطرق السريعة.
• استكمال مشروع السكك الحديدية وربط المدن والموانئ والمطارات بها.
• إنشاء شبكة متطورة لنقل البضائع تربط الموانئ والمنافذ الحدودية بالمراكز التجارية والصناعية.
• تطوير الموانئ والمناطق اللوجستية ومراكز التخزين والتوزيع.
ومن شأن هذه الإجراءات أن تخفض تكاليف النقل والشحن، وتحد من الضغوط التضخمية، وتدعم القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
المرحلة السادسة: التحول التدريجي إلى الدعم النقدي
بعد استكمال المراحل السابقة وتوفير الضمانات الإدارية والرقابية، يمكن الانتقال تدريجيًّا من الدعم السلعي إلى الدعم النقدي المباشر، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه بدلًا من استفادة شبكات التهريب والفساد منه.
ويُعد هذا التحول أكثر عدالة وكفاءة، لأنه يحافظ على القوة الشرائية للمواطن ويحد من الهدر المالي.
المساءلة ضرورة وليست خيارًا
لا يمكن لأي خطة إصلاحية أن تحقق أهدافها دون محاسبة المسؤولين عن التجاوزات السابقة. لذلك يجب أن تترافق الإصلاحات مع:
• فتح تحقيقات جنائية ومالية مستقلة في عقود التوريد.
• مراجعة الشركات المستفيدة من عقود الاستيراد.
• تتبع الأموال والأرباح غير المشروعة داخل ليبيا وخارجها.
• إحالة المتورطين في الإضرار بالمال العام إلى القضاء.
• استرداد الأموال المنهوبة وفقًا للقوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية.
ختامًا.. كشف تقرير مراجعة دعم المحروقات عن أزمة تتجاوز مفهوم الدعم التقليدي لتصل إلى جوهر إدارة المال العام في ليبيا. فاستمرار الوضع الحالي يعني استمرار نزيف مليارات الدولارات سنويًّا، واتساع دائرة التهريب والفساد، وتعميق الاعتماد على الخارج في قطاع تمتلك ليبيا فيه ميزة استراتيجية واضحة.
إن الطريق إلى الحل لا يمر عبر رفع الأسعار فقط، بل عبر مشروع إصلاحي متكامل يبدأ باستعادة سلطة الدولة، وضبط الحدود، ومكافحة الفساد، وتطوير الرقابة، وإدراج الدعم ضمن ميزانية شفافة، ثم إعادة بناء القدرات التكريرية وتطوير شبكات النقل والشحن والتحول التدريجي إلى الدعم النقدي.
وعندها فقط يمكن للدولة أن تضمن توفير المحروقات للمواطنين بصورة عادلة، وتحافظ في الوقت نفسه على مواردها المالية وأمنها الطاقي، وتضع أسس تنمية مستدامة تخدم الأجيال القادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى