مقالات الرأي

ليبيا بين مشروع الدولة ومشروع الأقاليم

بقلم/ فرج الشقار

ليس من اختصاص البلديات إنشاء الأقاليم، كما ليس من حق المجالس المحلية إعادة رسم الجغرافيا السياسية للدولة. فالأقاليم شأن سيادي يرتبط ببنية الدولة ووحدتها ومصالحها العليا، ويخضع لمعادلات وطنية تتجاوز حدود المدن والمناطق. ولهذا فإن الإعلان عن ما سُمي بـ”إقليم الوسطى” لا يمكن التعامل معه باعتباره إجراءً إداريًا أو مبادرة محلية، وإنما باعتباره تطورًا سياسيًا يعكس حجم الأزمة التي وصلت إليها ليبيا بعد سنوات طويلة من تفكيك مؤسساتها وتآكل سلطة الدولة المركزية.

منذ عام 2011 تسير ليبيا في مسار يقوم على إضعاف الدولة مقابل تضخم مراكز النفوذ. سقط النظام، ثم سقطت معه الحدود الفاصلة بين الدولة والسلطة، وبين المؤسسات والمصالح، وبين المشروع الوطني والمشاريع الجهوية. وما نشهده اليوم ليس سوى نتيجة طبيعية لهذا المسار؛ بلديات تتصرف وكأنها كيانات مستقلة، ونخب محلية تفاوض على خرائط سياسية جديدة، وقوى تسعى إلى تكريس وقائع ميدانية تتحول مع مرور الوقت إلى حقائق سياسية.

الأكثر إثارة للانتباه أن هذا المشروع ظهر في لحظة تشهد فيها الساحة الليبية تصاعدًا غير مسبوق في الانتقادات الموجهة للبعثة الأممية، ورفضًا شعبيًا متزايدًا لسياسات إدارة الأزمة، واحتجاجات على ملف الهجرة غير الشرعية وما يرتبط به من مخاوف تتعلق بالتركيبة السكانية ومستقبل الهوية الوطنية، إلى جانب حالة الجدل الواسعة التي رافقت مخرجات الحوار المهيكل. ولهذا يبدو من المشروع التساؤل عما إذا كان فتح ملف الأقاليم في هذا التوقيت مجرد صدفة سياسية أم جزءًا من عملية إعادة ترتيب للأولويات وصناعة عناوين جديدة للنقاش العام.

وفي تقديري، فإن جوهر الصراع لا يتعلق باسم الإقليم أو حدوده، وإنما بمن يملك الثقل السكاني والجغرافي القادر على التأثير في مستقبل الدولة الليبية. فالصراع الحقيقي يدور حول مراكز القوة ومجالات النفوذ، وحول من يمتلك القدرة على فرض نفسه لاعبًا رئيسيًا في أي تسوية سياسية قادمة. ومن هنا يمكن فهم الحساسية الكبيرة التي صاحبت الإعلان عن المشروع، وردود الفعل الواسعة التي أثارها داخل عدد من المدن الليبية.

كما أن استبعاد سرت والجفرة يطرح علامات استفهام يصعب تجاهلها. فهاتان المنطقتان تمثلان مركز التوازن الجغرافي في ليبيا، وأي تصور لإعادة تنظيم المجال الوطني يتجاوزهما يفتقد إلى كثير من المنطق السياسي والجغرافي. والأمر نفسه ينطبق على الخمس التي ترتبط بعمقها الطبيعي غربًا أكثر من ارتباطها بأي تصورات جديدة يجري الترويج لها اليوم.

ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده هو الموقف الشعبي الذي ظهر في بني وليد وترهونة. ففي المدينتين برز رفض واضح لأي محاولة لفرض خيارات مصيرية دون العودة إلى الإرادة الشعبية. وقد تُرجم هذا الرفض إلى خطوات احتجاجية شملت إغلاق مقار المجالس البلدية، فيما شهدت ترهونة إقامة سواتر ترابية حول مقر المجلس البلدي، في رسالة سياسية مباشرة مفادها أن مستقبل المدن لا يقرره المسؤولون المحليون منفردين، وإنما يقرره أهلها وأبناؤها.

ما يقلقني في هذا المسار ليس حدود الإقليم، وإنما ما قد يترتب عليه من إعادة إحياء الاصطفافات الجهوية والاجتماعية في بلد دفع ثمن الانقسام أكثر من عقد كامل. فكل مشروع لا ينطلق من مفهوم الدولة الجامعة ينتهي إلى إنتاج انقسام جديد مهما كانت الشعارات التي يرفعها.

إن ليبيا لا تحتاج إلى أقاليم جديدة، وإنما تحتاج إلى استعادة الدولة التي جرى تفكيكها. تحتاج إلى مشروع وطني يوقف مسلسل إعادة توزيع النفوذ تحت عناوين مختلفة، ويعيد الاعتبار لمؤسسات السيادة وللإرادة الشعبية الليبية. فالمعركة اليوم ليست بين إقليم وآخر، وإنما بين من يريد دولة لكل الليبيين، ومن يرى ليبيا مجرد مساحة لإدارة النفوذ وتقاسم المصالح. وفي هذه المعركة لا أرى خيارًا أمام القوى الوطنية إلا التمسك بوحدة البلاد ورفض كل ما من شأنه تكريس الانقسام تحت أي مسمى أو أي عنوان.
الحرية للوطن والسيادة للشعب

زر الذهاب إلى الأعلى