من صمت الحياة إلى صوت الوطن

بقلم /المهدي الفهري
مع أن المعطيات المحيطة بنا قد لا توفر لنا دائمًا الخيار الأفضل كما نريد، ولا تهيئ لنا السبل كما يجب، إلا أنه لا ينبغي لها أن تدفعنا إلى العزلة أو تحيد بنا عن التفكير بعيدًا عن نطاق الوطن وقيمه وكبريائه، وتقودنا الى الانحراف عن مساره وإرثه التراكمي العتيق وهويته الثقافية والتاريخية العريقة والابتعاد عن همومه وقضاياه وأهمية التنقيب له عن مخرج وحلول لمحنه وأزماته، فالوطن يكره الفراغ، ويرفض الفوضى، والوطن ليس مكانًا نغادره بحثًا عن الدفء في غيره من الأوطان، بل هو الدفء نفسه، وعلينا أن نحافظ عليه في أوطاننا لا في أوطان الغير، وهو كامن في داخله وليس في خارجه، ويحتل مساحة في القلب قبل المكان، ونحن نُقر بأن القلوب الميتة فقط هي القلوب التي لا تنبض بحبه وعشقه والتضحية في سبيله، ولا تؤمن بانعتاقه وتفوقه وتميزه، ولا تدري بأن تحريره واجب مقدس على كافة أبنائه ومواطنيه، وأن الدفاع عنه مسؤولية جماعية لا تقبل التقاعس ولا النيابة ولا التمثيل، ولا تعترف بالصعوبات والمبررات مهما بلغ حجمها وثقلها، ومهما تطاولت عليه الفتن والمخاطر والخطوب.
وقد علمتنا تجارب الحياة بأن الموت ليس بالفاجعة الكبرى، بل إن أعظم فاجعة هي أن يموت ما بداخلنا من مشاعر وأحاسيس تجاه أنفسنا وتجاه وطننا وتاريخه ونضالاته ونحن أحياء، فعندما نخسر إحساسنا بأنفسنا، ونفقد انتماءنا لوطننا ولتاريخنا وأصالتنا، تصبح الحياة بلا معنى وبلا قيمة مهما طال الزمن.
وتظل الحياة غالية حتى يناديها الوطن ويطلبها الواجب فيبخس ثمنها وتقل قيمتها مهما بلغت من جاه وقوة وسلطان، ويهون العطاء أمامها بلا تردد، فحب الأرض جزء من الكرامة، وجزء من الشرف والانتماء، وذلك يؤكد حقيقة دامغة بأن حب الوطن من الإيمان، وأن الأرض التي لا يدافع عنها أهلها أفضل لها أن تكون أرضًا بلا أهل وبلا هوية، وتلك ثوابت ومعانٍ تتجدد عبر الزمن، ولا تمحوها مصاعب الحياة، ولا تسقط بالتقادم، ولا تتغير بتغير الظروف والمواقف، بل تبقى ثابتة وقائمة وخالدة كخلود مواقف المخلصين من رجاله عبر التاريخ.
نحن ندرك أيضًا أن القسوة الحقيقية تكمن في التنازل عن قيم الوطن والسعي لإرضاء الآخرين على حسابه، وننسى أننا خُلقنا لغاية أسمى، فلكل حياة هدف، ولكل هدف طريق، وفي نهاية الطريق تقف سعادة تبدأ وتنتهي مع الوطن، ولا تُمنح بل تُنتزع من قلب المعاناة، ولنتذكر دائمًا أننا لم نُخلق لنعيش فحسب، بل لنعيش في كنفه وليس على هامشه، ولنصل إلى سعادة يسعى إليها وينشدها الجميع، وأن السعادة الحقيقية توجد في داخل الوطن وليس في سواه، ولا تكمن في غياب الشدائد والمشكلات بقدر ما تُصنع لمواجهتها ومدى قدرتنا في التغلب عليها وبين صلابة المبادئ وتقلبات الحياة ومن خلال رحلة الصبر والانتماء والبحث عن الاستقامة في زمن التحديات علينا التمسك بوطن واحد وإن كان غير موحد ومد جسور التواصل الثقافي والاجتماعي بين مكوناته والذود عنها بكل ما نستطيع.
