مقالات الرأي

عبد الناصر: أيقونة التاريخ ومجد الشعوب – الجزء الثالث والأخير


بقلم/ محمد نبيغ
الجغرافيا الروحية.. تحطيم المركزية الغربية: في باندونغ، صنع ناصر جغرافيا جديدة للروح، محررًا الشعوب من “أطراف” الخريطة الاستعمارية ليضعها في المركز. صحَّح ناصر موقع “العالم الثالث” في الكون السياسي، تمامًا كما صحَّح كوبرنيكوس موقع الأرض في الكون المادي. قال للذين ظنوا أنفسهم مركز العالم: إن المركز هو حيث تدور إرادة الشعوب الحرة، وأن صوت المقهور في أفريقيا له صدى يوازي صخب العواصم الإمبريالية.
السيميائية الناصرية.. حين يصبح القائد علامة: لم يكن ناصر مجرد رجل، بل كان “علامة سيميائية” تختزل أحلام ملايين البشر. إيماءة يده، نبرة صوته، وحتى صمته، كانت رموزًا لغوية تُقرأ في كل لغات الأرض. الشعارات التي رفعها لم تكن مجرد كلمات، بل كانت “أيقونات” للتحرر؛ فالوحدة كانت تعني “القوة”، والحرية كانت تعني “السيادة”، والاشتراكية كانت تعني “العدل”. لقد صار ناصر “نصًّا” مفتوحًا تلهمه الأجيال المتعاقبة.
الأرثوذوكسية الناصرية.. الوعي الجمعي المستدام: ترك ناصر في الوعي العربي “أرثوذوكسية” (إيمانًا راسخًا) بأننا قادرون وبأننا نستحق. هذا الإيمان هو الدرع الوجداني الذي حمى الأمة من الانكسار النفسي الكامل في أحلك الظروف. الناصرية لم تمت بموت صاحبها لأنها تحولت إلى “ذاكرة جمعية” عابرة للأجيال، تشتعل كلما أحس الإنسان العربي بالظلم أو التهميش، فناصر لم يخلِّف قصورًا، بل ترك “رأسًا مرفوعًا” لأمةٍ بأكملها.
ما بعد ناصر، غياب الجسد وسرمدية الروح: حين رحل ناصر في 28 سبتمبر 1970، لم يخرج من العالم شخص، بل خرجت منه روح كونية. جنازته لم تكن وداعًا لحاكم، بل كانت أكبر تظاهرة سوسيولوجية في التاريخ، حيث بكت الملايين “ذاتها الجماعية” التي تبلورت في هذا الرجل. حاول الكثيرون طمس إرثه، لكن ناصر تحول من “قائد” إلى “طقس من طقوس الكرامة”، ومن رمز سياسي إلى وقود فكري لكل من يرفض الاستسلام.
الخاتمة: تاج السيادة الذي يسطع في ليل التاريخ: تكمن سرمدية ناصر في كونه لم يمر بالتاريخ مرور الكرام، بل أعاد عجنه وتشكيله. ظل ناصر هو الهرم الذي لا يغيب، والنشيد الذي تلهج به حناجر الثوار من هافانا إلى الجزائر. لقد علَّمنا أن مصر والعروبة لا يبلغان ذروة تجليهما إلا حين تكون رؤيتهما عالمية الهوى، إفريقية الجذور، قومية اللسان، وإنسانية الوجدان. ناصر.. لم يكن مجرد زعيم، بل كان “قدر أمة” قرر أن يصفع وجه المستحيل، فاستحق أن يتربع على عرش الخلود كأبهى حلم إنساني مشى بوقارٍ على قدمين.

زر الذهاب إلى الأعلى