الانهيار الصامت للأمن الدوائي

د.علي المبروك أبوقرين
ليست كل الكوارث تُسمع أصواتها. بعضها يتسلل بصمت عبر شحنة دواء، أو اعتماد مصرفي أو توقيع إداري. وفي ليبيا لم يعد الدواء وسيلة للحياة إنما أصبح في كثير من مفاصله أداة استنزاف واختراق وربما بلا مبالغة سلاحاً موجهاً إلى جسد المجتمع.
التقرير الصادر عن الجهات الرقابية ليس مجرد رصد لتجاوزات، هو وثيقة إدانة لنظام دوائي خرج بالكامل عن منطق الدولة، ودخل في مدار الشبكات المتداخلة من المصالح، حيث تختلط السلطة بالمال، والرقابة بالتبعية، والعلاج بالتجارة.
حين تقفز ميزانية الدواء بنسبة 134% في عام واحد، ثم تنهار بنسبة 49% بعد عامين، دون أي علاقة واضحة بالاحتياجات الوبائية أو المؤشرات الصحية فإننا لا نكون أمام إدارة صحية إنما أمام اقتصاد ظلٍّ دوائي تتحكم فيه قرارات غير مرئية. الدواء هنا لا يُشترى بناءً على مرض إنما على نفوذ. ولا يُوزع بناءً على الحاجة بل على قنوات الوصول.
وأخطر ما كشفه التقرير غياب الدولة نفسها داخل سلسلة الدواء. منظومة بلا بروتوكول علاجي موحد، وقوائم تُبنى على زيادات ورقية وليس على استهلاك حقيقي، وأكثر من 25 جهة تستورد الدواء دون تنسيق، ومخازن تحتوي على مئات الآلاف من الأصناف منتهية الصلاحية منذ عقود وهذا ليس خللاً إدارياً إنه انهيار بنيوي كامل.
إن سلسلة الإمداد من الطلب إلى المريض لم تعد سلسلة إنها شبكة متقاطعة مفتوحة، قابلة للاختراق في كل نقطة. وهذا يعني أن الدواء يمكن أن يُفقد أو يُسرب أو يُستبدل أو يُتلاعب به دون أن يشعر أحد، ولا يمكن لأي نظام صحي أن يصمد حين يمتلك صانع القرار حصة في السوق الذي ينظمه. وحين يكون المسؤول شريكاً والمراقب مستفيداً والمورد ممولاً للرقابة فإننا نكون أمام استحواذ كامل على السياسات. والدواء هنا لا يُسعر في السوق إنما في غرف النفوذ.
ولا يخضع للرقابة، وحين يسمح باحتكار الوكالات العالمية مجتمعة، وحين تتجاوز بعض الشركات الحدود القانونية بأضعاف، فإن السوق لا يكون حراً، والاحتكار هنا ليس مجرد خلل اقتصادي إنه تهديد مباشر للأمن الصحي. لأنه يمنح القدرة على التحكم في الإمداد، والسعر والنوع والتوقيت. وهذا يعني ببساطة من يملك الدواء يملك حياة الناس.
وحين يتم تسجيل منشأ مزدوج لتمرير أدوية رخيصة على أنها أوروبية، وحين تُسجل المكملات الغذائية كأدوية للحصول على النقد الأجنبي، فإن الخطر لا يكمن فقط في الهدر المالي إنما في إدخال منتجات قد لا تكون آمنة إلى أجساد المرضى. وهنا يتحول النظام الصحي من منظومة حماية إلى منظومة مخاطرة.
التداخل بين القطاعين العام والخاص في استيراد نفس الأدوية، والشبهات حول تسريب أدوية الدولة إلى السوق الخاص، تعني أننا أمام اقتصاد مزدوج دولة تمول وسوق يعيد البيع. وخزينة تُستنزف وجيوب تنتفخ.
ما يحتاجه قطاع الدواء في ليبيا ليس تحسيناً إنما إعادة تأسيس كاملة. الإصلاح الحقيقي يبدأ من مبدأ واحد وهو أن الدواء سيادة وطنية وليس نشاط تجاري مفتوح. وهذا يفرض إجراءات جذرية لا تقبل المساومة واحتكار الدولة الاستراتيجي للدواء الحيوي والتخصصي، فلا يمكن ترك أدوية الأورام والمناعة والأمراض المزمنة للسوق، فهذه أمن قومي.
وإغلاق كامل لسلسلة الإمداد تحت نظام رقمي موحد، من الاعتماد المصرفي إلى التخليص الجمركي إلى المخزن إلى الصيدلية إلى يد المريض بحيث تكون كل خطوة مرئية قابلة للتتبع، وغير قابلة للتلاعب، وتفكيك تضارب المصالح جذرياً بحيث يُمنع أي مسؤول له علاقة بقطاع الصحة قانوناً من امتلاك أو الارتباط بأي شركة دوائية بلا استثناء.
وإعادة مركزية الشراء لأن الدولة لا يمكن أن تفاوض بـ25 صوتاً، فالصوت الواحد هو القوة، وهو الشفافية، وتطهير سجل الشركات عبر سحب التراخيص المتجاوزة، وإعادة توزيع الوكالات وكسر الاحتكار بالقانون، وربط المال بالدواء فعلياً، بحيث لا اعتماد مصرفي دون تحقق جمركي، ولا إدخال دون تحقق ضريبي، ولا صرف دون تحقق طبي.
حين ينهار الدواء لن يبقى شيء. لا تعليم ولا صحة ولا اقتصاد ولا أمن. ما كشفه التقرير هو اختبار دولة. هل هناك إرادة حقيقية لاستعادة الدواء لأن للأسف قد أصبح المرض هو القاعدة والصحة استثناءً نادراً؟
