ملفات وتقارير

الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان38 عامًا من الدفاع عن الكرامة الإنسانية وترسيخ الحقوق والحريات في ليبيا

في الثاني عشر من يونيو سنة 1988، شهدت مدينة البيضاء حدثًا سياسيًّا وحقوقيًّا بارزًا في تاريخ ليبيا المعاصر بإعلان الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير، التي صدرت عن مؤتمر الشعب العام بعد نقاشات واسعة شاركت فيها المؤتمرات الشعبية والمؤسسات القانونية والثقافية، لتشكل آنذاك مرجعية حقوقية وتشريعية هدفت إلى ترسيخ مبادئ الحرية والعدالة والمساواة وحقوق المواطنة.
وتأتي الذكرى الثامنة والثلاثون لإصدار هذه الوثيقة في وقت تمر فيه ليبيا بأزمات سياسية وأمنية واجتماعية عميقة، الأمر الذي يدفع إلى إعادة قراءة هذا الإرث الحقوقي بعيدًا عن الاصطفافات السياسية، والنظر إليه باعتباره جزءًا من التجربة الوطنية الليبية التي لا يجوز إهمالها أو طمسها لمجرد ارتباطها بمرحلة سياسية سابقة.
الوثيقة الخضراء في سياقها التاريخي
ارتبطت فكرة حقوق الإنسان عبر التاريخ بنضال الشعوب ضد الاستبداد والظلم. ويُنسب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله الشهير: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”، وهي عبارة أصبحت رمزًا عالميًّا لمعنى الحرية وكرامة الإنسان. كما شهد العالم لاحقًا صدور وثائق تاريخية مهمة مثل “الماغنا كارتا” سنة 1215 في بريطانيا، التي اعتُبرت خطوة مبكرة نحو تقييد السلطة وترسيخ بعض الحقوق الأساسية.
وفي هذا السياق التاريخي، جاءت الوثيقة الخضراء الكبرى لتطرح رؤية ليبية لحقوق الإنسان، استندت إلى مفاهيم الحرية الشعبية والمشاركة المباشرة في إدارة الشأن العام، وأكدت أن حقوق الإنسان ليست منحة من سلطة أو حاكم، وإنما حقوق أصيلة ملازمة للإنسان بحكم إنسانيته.
منظومة الحقوق والحريات في الوثيقة الخضراءتضمنت الوثيقة مجموعة واسعة من المبادئ والحقوق التي ما زالت تحتفظ بقيمتها الفكرية والإنسانية، من أبرزها حماية الحرية الشخصية وتحريم المساس بكرامة الإنسان، وضمان حق المواطنة وعدم إسقاطها، وكفالة حرية التعبير عن الرأي، وحق تكوين النقابات والاتحادات، وحرية التنقل والإقامة، واستقلال القضاء وحق التقاضي والمحاكمة العادلة.
كما أكدت الوثيقة على المساواة بين الرجال والنساء في الحقوق الإنسانية، ورفض التمييز بسبب الجنس أو اللون أو الدين أو الثقافة، وضمنت حقوق الأقليات في الحفاظ على هويتها وتراثها، ورفضت استخدام القوة لإذابة الجماعات البشرية في قوميات أو ثقافات أخرى. كذلك دعت إلى احترام الأسرة وحماية الطفولة والأمومة، وإلى توفير التعليم والرعاية الصحية والعمل باعتبارها حقوقًا أساسية لكل مواطن.
ومن الجوانب المهمة التي تميزت بها الوثيقة أنها لم تقتصر على الحقوق السياسية والمدنية فقط، بل تناولت أيضًا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فأكدت حق الإنسان في العمل والسكن والتعليم والعلاج والعيش الكريم، وربطت بين الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية باعتبارهما وجهين متكاملين لكرامة الإنسان.
كما تضمنت مواقف متقدمة بالنسبة إلى زمنها فيما يتعلق بالدعوة إلى الحد من صناعة السلاح وإلغاء أسلحة الدمار الشامل وتعزيز السلام بين الأمم، وهي قضايا ما زالت تشكل هواجس إنسانية عالمية حتى اليوم.
قانون تعزيز الحرية
صدر عن السلطة التشريعية في ليبيا “مؤتمر الشعب العام” القانون رقم 20 لسنة 1991، والمتكون من 38 مادة، تضمن كافة الحقوق وتصون الحريات، خصوصًا ما يتعلق بالحريات الشخصية وحرية التعبير، حيث لا يجوز سلب الحرية إلا بموجب حكم قضائي وفق ما يقرره القانون، كما كفل القانون حق الملكية باعتباره من الحقوق المقدسة وسرية المراسلات وحرمة الحياة الخاصة وحرمة المساكن والحق في التعليم وتلقي العلاج المناسب وتقديس الأسرة وضمان حقوق المرأة والطفل والحق في التقاضي واعتبار هذا القانون أساسيًّا، بما يعنى عدم جواز مخالفته بموجب أي قانون آخر.
القيمة القانونية والفكرية للوثيقة
اللافت أن الوثيقة الخضراء الكبرى لم تُقدَّم باعتبارها امتيازًا تمنحه السلطة للمواطنين، بل باعتبارها إعلانًا لحقوق يُفترض أنها أصيلة ومتجذرة في المجتمع. وقد اكتسبت بعد صدورها قوة قانونية وأصبحت مرجعًا يُحتج به أمام القضاء الليبي، شأنها شأن العديد من الإعلانات والمواثيق الحقوقية التي تحولت مع الزمن إلى جزء من الذاكرة القانونية والوطنية للشعوب.
وبغض النظر عن المواقف المختلفة تجاه التجربة السياسية التي صدرت في إطارها الوثيقة، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي التمييز بين النصوص والمبادئ وبين الممارسات السياسية التي قد تتعرض للنجاح أو الإخفاق. فالقيمة الحقيقية للوثائق الحقوقية تُقاس بما تتضمنه من مبادئ وما يمكن أن تقدمه للأجيال اللاحقة من أسس لبناء دولة القانون والمؤسسات.
ليبيا اليوم والحاجة إلى مراجعة التجربة
اليوم، وبعد أكثر من 15 سنة من أحداث 2011، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة شاملة للواقع الحقوقي في ليبيا. فقد شهدت البلاد خلال السنوات الماضية تراجعًا في كثير من الحقوق الأساسية، وانتشرت مظاهر الانقسام السياسي والفوضى الأمنية والانتهاكات المختلفة، وتعرضت السيادة الوطنية للتحديات والتدخلات الخارجية، بينما عانى المواطن الليبي من تدهور الخدمات وتراجع مستويات الاستقرار والأمان.
وفي ظل هذه الظروف، تبرز أهمية العودة إلى دراسة الوثيقة الخضراء الكبرى بوصفها أحد المراجع الوطنية التي يمكن الاستفادة منها في أي مشروع لإعادة بناء الدولة وترسيخ الحقوق والحريات. فالأمم الحية لا تتعامل مع تراثها السياسي والفكري بمنطق الإلغاء أو الاجتثاث، وإنما بمنطق التقييم والتطوير والاستفادة من التجارب السابقة، مع تجاوز ما قد يكون فيها من نواقص أو قصور.
بين الإرث الوطني وآفاق المستقبل
إن المحافظة على الوثيقة الخضراء الكبرى لا تعني الجمود عند نصوصها أو رفض تطويرها، بل تعني الاعتراف بقيمتها التاريخية والحقوقية باعتبارها جزءًا من الذاكرة الوطنية الليبية. وإذا كانت بعض بنودها تحتاج إلى مراجعة أو تحديث بما ينسجم مع المتغيرات المعاصرة، فإن ذلك لا ينتقص من أهميتها، بل يعزز قدرتها على الاستمرار والإسهام في بناء مستقبل أفضل.
لقد كانت الوثيقة الخضراء الكبرى محاولة ليبية لصياغة رؤية خاصة لحقوق الإنسان، واستلهمت في ذلك تراث الأمة وتجارب البشرية المختلفة. وبعد ثمانية وثلاثين عامًا على صدورها، يبقى السؤال مطروحًا: هل تستطيع ليبيا أن تستعيد مشروعًا وطنيًّا جامعًا يعيد إلى الإنسان الليبي حقوقه وكرامته وأمنه واستقراره؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في استحضار الماضي وحده، بل في الاستفادة من دروسه وتجاربِه لبناء الحاضر والمستقبل. ومن هنا فإن إحياء ذكرى الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان ينبغي أن يكون مناسبة للتأكيد على أن الحرية والعدالة وكرامة الإنسان وحقوق المواطنة ليست شعارات عابرة، بل أسس لا غنى عنها لقيام الدولة واستقرار المجتمع.
وفي الذكرى الثامنة والثلاثين لصدورها، تبقى الوثيقة الخضراء الكبرى إحدى المحطات المهمة في التاريخ الحقوقي الليبي، ورصيدًا فكريًّا وتشريعيًّا يستحق الدراسة والتقييم والحفاظ عليه كجزء من الإرث الوطني، انطلاقًا من أن الأوطان تبنى بتراكم تجاربها، لا بإلغاء صفحات من تاريخها.
مشاركة وطنية جماعية واسعة
لم تأتِ الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير نتيجة جهد فردي أو لجنة محدودة، بل كانت ثمرة عمل جماعي شاركت فيه نخبة من الأساتذة والأكاديميين والخبراء المتخصصين في مجالات القانون والاقتصاد والاجتماع والعلوم السياسية، إلى جانب عدد من أعضاء هيئات التدريس بالجامعات الليبية. وقد أُعدَّ مشروع الوثيقة وعُرض على المؤتمرات الشعبية الأساسية خلال دورة استثنائية عُقدت في شهر مايو 1988، حيث خضع للنقاش وإبداء الملاحظات والمقترحات من قبل المشاركين في تلك المؤتمرات.
وبعد استكمال المراجعات والأخذ بالملاحظات الواردة من المؤتمرات الشعبية، صيغت الوثيقة في صورتها النهائية داخل جلسة طارئة لمؤتمر الشعب العام، قبل أن يُعلن اعتمادها رسميًّا في 12 يونيو 1988، لتصبح إحدى أبرز الوثائق الحقوقية والسياسية التي شهدتها ليبيا في تلك المرحلة.
ومن بين الشخصيات التي أسهمت في إعداد الوثيقة وصياغتها النهائية وفقًا للملاحظات والمقترحات المقدمة بشأنها: الدكتور مفتاح الأسطى عمر، والدكتور إبراهيم أبو خزام، والدكتور سعيد حفيانة، والدكتور سليمان الشحومي، والدكتور عبد القادر البغدادي، والدكتور رجب أبو دبوس، والأستاذ أحمد إبراهيم، والدكتور مصطفى الزائدي، والأستاذ إبراهيم بكار، وعمر محمد إشكال، والدكتور محمد لطفي فرحات، والدكتور فرحات شرننة، والمهندس سعيد محمد راشد، والأخ محمد المجذوب، والدكتور عبدالسلام المزوغي، والمستشار عبد الرزاق الصوصاع، والمهندس عمر المنتصر، والأستاذ أبوزيد دوردة، والمهندس عبد المجيد القعود، والأستاذ حسني الوحيشي، والمهندس جاد الله عزوز الطلحي، والأستاذ عمار اللطيف، والمستشار محمد المصراتي. رحم الله من توفي منهم.
ويعكس هذا التنوع في الخلفيات العلمية والفكرية للمشاركين الحرص على أن تكون الوثيقة نتاجًا لحوار وطني واسع، وأن تستند إلى رؤية شاملة تجمع بين الأبعاد القانونية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية للحقوق والحريات.
الوثيقة الخضراء الكبرى والمصالحة الوطنية: نحو توظيف الإرث الحقوقي في معالجة الأزمة الليبية
في ظل حالة الانقسام السياسي والاجتماعي التي تعيشها ليبيا منذ سنوات، تبرز أهمية النظر إلى الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان ليس فقط باعتبارها محطة تاريخية في مسار الفكر الحقوقي الليبي، وإنما بوصفها أحد المكونات الوطنية التي يمكن الاستفادة منها في جهود المصالحة الوطنية الشاملة. فالمصالحة الحقيقية لا تقوم على إقصاء مراحل من التاريخ أو تجاهل ما أنتجته من أفكار ووثائق، وإنما على الاعتراف المتبادل بكل مكونات الذاكرة الوطنية والاستفادة من عناصر القوة فيها لبناء مستقبل مشترك.
ومن هذا المنطلق، يمكن توظيف المبادئ التي تضمنتها الوثيقة، وفي مقدمتها قيم المواطنة والمساواة والعدالة وكرامة الإنسان ورفض التمييز، كأرضية وطنية مساعدة للحوار بين الليبيين، وكجزء من المرجعيات الفكرية والحقوقية التي تسهم في تأسيس مشروع وطني جامع يعالج آثار الصراع والانقسام. كما أن إدراج الوثيقة ضمن النقاش الوطني حول مستقبل الدولة الليبية يمثل خطوة في اتجاه المصالحة مع التاريخ الوطني بكل مراحله، بعيدًا عن منطق الإلغاء أو الاجتثاث.
إن بناء مصالحة وطنية مستدامة يتطلب الاستفادة من مختلف الروافد الفكرية والقانونية التي أنتجها المجتمع الليبي عبر تاريخه المعاصر، والوثيقة الخضراء الكبرى تمثل أحد هذه الروافد التي تستحق الدراسة والتقييم والتطوير، بما يعزز فرص التوافق الوطني ويسهم في إيجاد حلول ليبية نابعة من التجربة الوطنية نفسها، وقادرة على دعم مسار استعادة الدولة وتحقيق الاستقرار والوحدة الوطنية.
عليه، فإن المحافظة على الوثيقة الخضراء الكبرى ودراسة مضامينها وتطويرها بما يتلاءم مع متطلبات العصر، لا تمثل مجرد حفاظ على إرث تاريخي، بل تشكل مساهمة ممكنة في تأسيس مسار للمصالحة الوطنية وإعادة بناء الدولة الليبية على أسس العدالة والمواطنة والشراكة الوطنية.

زر الذهاب إلى الأعلى