مقالات الرأي

التوطين والتفتيت أيهما أولًا؟


بقلم/ د – مصطفى الزائدي
التغيير السكاني “الديموغرافي” في المنطقة مشروع استعماري قديم يتجدد، يهدف إلى خلخلة النسيج الاجتماعي المتين بها، الذي شكّل لقرون حاجزًا منع الغرب الصليبي الحاقد على الشرق العربي المسلم من الاستيلاء على المنطقة والسيطرة على مواردها وثرواتها.
فالتوطين يصنع مجتمعًا غير متجانس يساعد المستعمر على التسلل داخله؛ لأنه ينشئ مجتمعات مختلفة إثنيًّا ودينيًّا ولغويًّا داخل جسد الأمة، فتنخره أمراض التفتيت.
في الشرق الأوسط، بالنسبة إلى الغرب، مزج الإسلام بين القبائل والشعوب المتساكنة به، وأنقذها من الصراعات؛ لأنه قام على قيم التقوى والمساواة، فتكوَّنت حضارة إنسانية عظيمة ساهمت في إخراج البشرية من عصور ظلام دامس، وفتحت آفاق العلم والإبداع، وطورت منظومة علاقة تعاونٍ وتحابٍّ وتبادل مصالح، فانتشر الدين إلى أن وصل أقاصي الشرق ليس بالسيف، بل بالمشروع الحضاري الإنساني الذي تقبله الناس لكونه وسيلة للتعايش السلمي بين الشعوب والأمم. لكن بعد سقوط الأندلس وبغداد والقاهرة عاصمة الفاطميين عاد الصليبيون بحملات متتالية، ونجحوا -إلى حين- في السيطرة على المنطقة، لكنهم ووجهوا بمقاومة شعبية لم تشهد لها المستعمرات الأخرى مثيلًا، تمكنت من انتزاع استقلالها، لكنها فشلت في إعادة بناء دولة الأمة الموحدة القادرة على تأمين الاستقلال وإطلاق عمليات نهضة جادة.
لقد حاول الاستعمار استدعاء النزعات الشعوبية لكسر المقاومة، ولعل أبرزها مؤامرة الظهير البربري التي أفشلها البربر بتصدرهم لمقاومة المستعمر، وفي مقدمتهم علال الفاسي وأحمد بلفريج في المغرب، وأحمد توفيق مدني في الجزائر، تحريض المفكر شكيب أرسلان الذي بذل جهدًا في مقاومة الاستعمار الفرنسي في المغرب والجزائر وخليفة بن عسكر وسليمان الباروني في ليبيا وغيرهم، ومشروع استغلال. كذلك قامت محاولات لاستغلال الأقليات في الشام والعراق، لكن قيادة سلطان الأطرش وحموده الحناوي الدروز للمقاومة أفشل ذلك أيضًا!
ورغم الجهد الذي قادته فرنسا وبريطانيا والكيان في إحياء ذلك المشروع في المغرب العربي والشام لمحاولة تحريك الدروز والكرد والعراق بالمشروع الطائفي، أسقط وعي الأمة ذلك!
لذلك وجدوا في فكرة الكيان المصنَّع من الغرب والقائم على إقامة كيانات من مهجَّرين أجانب لأسباب دينية أو عرقية وسيلة قد تكون مناسبة لتحقيق أهدافهم، فأنشئت دولة الكيان الصهيوني ودُعمت سياسيًّا وعسكريًّا وماليًّا، وشُجعت على التوسع، لكنها رغم ما قامت به من حروب إبادة وقمع فشلت في أن تكون قاعدة مضمونة للمستعمر. لذلك يتجه الغرب لخلق كيانات أخرى بمواصفات مختلفة بعض الشيء، وهو تكوين أوطان بديلة للمهاجرين إلى أوروبا، وتصوروا أن المكان الأنسب لذلك ليبيا، كبيرة المساحة قليلة السكان، وخصوصًا بعد أن نجح الغرب في تدمير مؤسساتها والسيطرة على مواردها وتحويلها إلى كيان شكلي فاشل غير قادر على حماية نفسه والدفاع عن بقائه.
ويتزامن طرح مشروع توطين المهاجرين إلى أوروبا مع دعوات لتقسيم الوطن، وإجراءات مدعومة من الغرب لمنع توحيد مؤسسات الدولة، وإفقار الشعب ونشر الفساد ودعم المليشيات!
سيقول البعض: هذه نظرية مؤامرة غير موجودة! لكن الكلام صار في المليان!! ونطقت به كرمان صخر كفرًا بعد أن صمتت على مآسي المهجرين والنازحين الليبيين عقدًا!!
والليبيون بمختلف توجهاتهم يرون هذا المخطط يُنفذ على الأرض، فانتفضوا ضده.

زر الذهاب إلى الأعلى